صحيحٌ أَن الثورة السورية اشتعلت، قبل أَزيد من عام ونصف، تطلعاً لاسترداد كرامةِ السوريين، وضدَّ نظامٍ يمتهن هذه الكرامة، لكن الوضع الاقتصادي المعيشيَّ الصعب، والذي لم تعد تحتمله فئاتٌ عريضةٌ من السوريين، كان عاملاً حاضراً في إِيقاد هذه الثورة وتوفير أَسبابِها، ودلَّت عليه المشاركةُ الواسعةُ لهذه الفئات في الثورةِ وفعالياتِها الاحتجاجية. مقاربةٌ نابهةٌ في تشريح هذا العامل، مع تبيان صلتِه بالخيار الاقتصادي الذي اعتمدته السلطة الحاكمةُ منذ نحو عقدين، عرضَها، بكفاءَة، المثقف البارز، الفلسطيني السوري (أَو العكس)، سلامة كيلة، في محاضرةٍ في مسرح البلد في عمان، أَول من أَمس، كان مهماً أَنها شدَّدت على وجوبِ معرفة تفاصيل الواقع السوري، ومعاينتِها من دون إِسقاط انحيازاتٍ نظريةٍ وسياسيةٍ، وذلك لفهم الجاري هناك، بتعقيداتِه العويصة. وكان كيلة حاذقاً في إِحالته إِلى قلةِ انخراط كثيرين من أَصحاب التفكير اليساريِّ في محاولة هذا الفهم، وابتعادِهم عن معطياتِ الواقع نفسِه، والتي لا يفهمونها، فلم يقتربوا جيداً من أَوضاع السوريين المعيشية، ومنها أَن متوسط دخل الفرد هناك 220 دولارا شهرياً فيما الحد الأَدنى للمعيشة 620 دولارا، ما جعل استنتاجات أولئك وتصوراتهم عن السلطة في سوريا تُخالف حقيقة هذه السلطة وطبيعتها، وتركيبيتها من حيث أَنها فئةٌ مافياويةٌ تمارس كل أَنواع العنف لتبقى في السلطة، مع فئاتٍ مافياويةٍ تتحكم بالاقتصاد ودواليبِه، تنتسبُ إِلى عائلة الأسرة الحاكمة وأَنسبائها و أَصهارها.

جاءَ سلامة كيلة على ما سمّاه اختلافاً شكلياً يتمايزُ فيه النظام السوري، (يُؤثر استخدام مفهوم السلطة) عن أَنظمةٍ عربيةٍ أُخرى، على صعيد الصلة بالإمبريالية التي يشيعُ أَنَّ السلطة المذكورة تُعاديها. وجاءَ، أَيضاً، على بؤس النظر إِلى الثورةِ السوريةِ اعتماداً على أَحكامنا ممن يقول الإعلام إِنهم يُناصرونها، حين يرى المستسلمون إلى هذا الأمر أَنَّ ثورةً يُؤازرها سمير جعجع لا تستحقُّ نُصرتنا، أَو أَقله لا يصدقُ عليها وصفُ الثورة، ويكون الارتياب بها مُبرّراً. والأَوضح في المحاضرة أَنَّ سلامة كيلة، وهو المنحاز إِلى الماركسية في التحليل السياسي والاجتماعي، كان نقديّاًّ لأهل اليسار العرب ممن ضنّوا على الثورة السورية بإسنادها والاصطفاف مع وجوب انتصارها. وللحق، فإِنَّ القراءَة المفصلة لخطابات هؤلاء تُسوِّغ خيبةً واسعةً منهم، سيّما حين راحوا وبأَنفاسٍ حماسية، مضحكةٍ وعنصريةٍ أَحياناً، يُطنبون في التشنيعِ على هذه الثورة، لما توهموه إِسناداً أَميركياً وخليجياً (وإِسرائيلياً) لها. ولعل الأَهم في ما ينشط فيه كيلة منذ شهور، في مقالاتِه واجتهاداته بشأن الحالة السورية، أَنه، في غضون احتفائه بالثورة، لا يمتنع عن نقد مظاهرَ وممارساتٍ يراها مضرَّةً بها وتُعيقُها، وإِذ يرى أَنَّ انحسار فعاليات التظاهر الشعبية فيها، جرّاءَ موجاتِ التهجير المتتاليةِ التي يتسبَّب بها النظام في المدن والبلدات، أَمرٌ يستدعي التفكير فيه، سيّما وأَن قناعته أَنَّ تجاربَ التاريخ لا تُؤكد حسم الخيار العسكري في الثورات انتصاراً تتوخّاه، ما يوجبُ، بحسب كيلة، إِعادةَ الاعتبار إِلى النشاط الجماهيريِّ الاحتجاجيِّ في سوريا، والذي تمكنت السلطة من ضربِه وإِيذائه، ما جعلَ مشاركين فيه ينصرفون إِلى السلاح، شعوراً منهم بأنهم مستهدفون بالرصاص في الحالين. وفي إِحالتها إلى هذا الأَمر، وغيرِه، كانت المحاضرة مناسبةً للتحديق مجدداً في اللحظة السورية الدامية، يُشكر مسرح البلد على توفيرها لنا، نحن المصطفين مع سوريا، ومع ثورة شعبِها الظافرة قريباً إِن شاءَ الله.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور