موجزُ الخبر أَنَّ أُستاذ الفلسفة العتيد، الدكتور أَحمد ماضي، أُحيل على التقاعد بعد 42 عاماً في التدريس في الجامعة الأردنية. يبدو خبراً تقليدياً، إِذا ما نُظر إِلى روتينيّةِ أَنْ يخرجَ موظفٌ يصل إِلى السبعين من عمله، غير أَنَّ ما لا يعلمه كثيرون أَن خروج أُستاذنا “أَبو عزيز” تمَّ بغير رغبةٍ منه، وحاول البقاءَ سنواتٍ أُخرى، مسلَّحاً في ذلك بقيافتِه الذهنية وحيويتها واتّقادها، وبتمتعه، والحمد لله، بموفور الصحة والعافية، ما يُمكِّنه من مواصلةِ عمله الأكاديمي بين الطلبة وفي قاعات التدريس. والبادي أَنَّ الغلبةَ كانت في مسأَلةِ التقاعد، الروتينيِّ الوظيفيِّ، للبيروقراطية والأَنظمة واللوائح، وليس لإرادة الاستمرار في العطاء لدى أََحمد ماضي. وما يثير السؤال أَنْ لا تُبادر رئاسة الجامعة الأردنية إِلى تكريم هذا الرجل البديع، في حفلٍ يليقُ بمكانتِه التي تحققت له في المؤسسة الأَكاديمية الأُردنية. وفي محلِّه استهجانُ الصديق فخري صالح، في مقالتِه في “الدستور”، أَمس، استنكاف مسؤولي الجامعة عن ذلك، ويتداعى إِليه طلبةٌ للدكتور ماضي، سابقون وحاليون في الدراسات العليا في قسم الفلسفة الذي طالما اقترن باسم صاحب التكريم الواجب، سيِّما وأَنه أَحد الأساتذة الأوائل للقسم، وتسلم رئاسته سنوات، وساهمَ، مع أَعلامٍ زملاءَ له، في تطويرِه، وتمكينِه من أََنْ يكون له مطرحُه المتقدم في دراسةِ الفلسفةِ في الجامعات العربية.
نظنُّها انعطافةٌ خاصة، وربما عاطفيةٌ إِلى حدٍّ كبير، يعبر إِليها صديقنا الدكتور ماضي، وهو يغادرُ مكتبَه وقاعات المحاضراتِ في كلية الآداب التي تسلم عمادتَها فترة، ونحدسُ أَنه سيعبرُ من هذه الانعطافةِ إِلى طورٍ جديدٍ في التفرّغ للتأليف والبحث والنشر والكتابة، والحضور الفاعل في الفضاء المدنيِّ والثقافيِّ في الأردن، والذي لم يُغادره يوماً، سيّما وأَنه صاحبُ خيارٍ وطنيٍّ منحازٍ إِلى الحريةِ والديمقراطيةِ وإِعلاءِ الحقوق والمواطنة والمساواة، وفي وسعه ذلك، وهو الذي في شرخِ الشبابِ حين يُمازح السنوات السبعين من عمره الطويل، إِنْ شاءَ الله. وسيِّما أَيضاً أَنه يحوز على تقديرٍ واسعٍ في أَوساط العمل العام في بلدِنا، من فرط ما يقيمُ عليه من دفءٍ وتواضع وسمو في النفس. وأَزعمُ أَنه ليس ثمّة ما هو أَيسر في الدنيا من أَنْ تصيرَ صديقاً لأحمد ماضي، وفي بالي أَنَّ اسمه كان يرتبط في أفهامنا، نحن طلاب جامعة اليرموك في أواسط الثمانينيات، بمقادير من المهابة الخاصة، والاحترام الوفير، ربما بالنظر إلى مكوثِه في اليسار والماركسية. وفي دقائق فقط، لما تصادفنا مقيميْن في فندقٍ واحد في الرباط قبل تسع سنوات، مدعوَّيْن إِلى نشاطيْن مختلفيْن، صرنا صديقيْن، بعد أَنْ بادرتُه بالسلام عليه، وتعريفِ شخصي به، فطافت أَحاديثُنا ساعاتٍ على مسائل لا عدَّ لها، ثم توثقت تاليا اتصالاتُنا، وبقيت أُدهشُ في جلساتنا من غبطة “أَبو عزيز” بأَصدقائه وفرحه بهم، وحرصِه على الاستماع إِلى مشكلاتِهم، وأَحيانا إِلى خراريفِهم التي قد لا تحتمل.
لن يتقاعدَ أَحمد ماضي عن التواصل مع خيرةِ طلابه، وأَحدسُ أَنَّه يكادُ يعرف أَكثرهم على وفرتهم، ولن يتقاعدَ عن مشاغله باحثاً ودارساً ومتأملاً في شؤون الفكر والفلسفة والحداثة، وما يتصل بها من وقائع ومستجدّاتٍ سياسية، أُردنيةٍ وعربيةٍ وعالميةٍ. ولن يتقاعدَ عن حضورِه البهيِّ بيننا، وعن متابعتِه مقالاتِنا في الجرائد، ومفاجأَته لنا بتقريظ ما يعجبُه منها في رسائل نصيّةٍ محبّة. ... له أَلفُ وردةٍ ووردة، وهو الأَكثر يفاعةً منا.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور