“خيانات اللغة والصمت.. تغريبتي في سجون المخابراتِ السورية” كتابٌ أَصدر صاحبُه، الشاعر السوري، فرج بيرقدار، طبعتَه الثانية عن دار الجديد البيروتيّة، يدلُّ اسمُه على أَلمٍ غزيرٍ فيه، وعلى كثافةٍ خاصةٍ من شحناتِ التعبير الحارّةِ عنه، ومبعثُ الدعوةِ هنا إِلى أَنْ يقرأَه من فاتَته قراءَته أَنَّ ثمةً نفعاً مهماً فيها، في غضون المحنةِ السورية الراهنة، والتي يتم فيها اعتقال آلاف السوريين، وقد مات منهم تحت التعذيب، قبل أَيام، الكاتب محمد نمر المدني. وفي واحدٍ من نصوص كتاب بيرقدار تعريفٌ موجزٌ بأَلوانٍ من التعذيب وأَدواتها، منها الشَّبْح على السلم والكرسي الأَلماني والدولاب والكهرباء، غير أَنَّ الكتابَ لا ينشغلُ بتوصيفٍ مادّيٍّ لهذه المعاناة ومثيلاتِها، ولا بتوثيقِ تفاصيلَ حقوقيةٍ بشأنها، بل يضمُّ نصوصاً تتصف بعفويةٍ وتلقائيةٍ وفيرتيْن، كتبها فرج متفرقة، على أَوراق السجائر أَحياناً، في أَربعة عشر عاماً سرقها النظام السوري من عمرِه، قبل الإفراج عنه في العام 2000.
ويضمُّ الكتابُ مرافعةً، تقدَّم بها الشاعر المحتجز أَمام محكمةِ أَمن الدولة العليا في دمشق في 1993، لا شطط في حسبانِها وثيقةَ مثقفٍ عربيٍّ نادرة، بلغةٍ بالغةِ الإمساك بالجوهريِّ في قضيةِ مصادرةِ سلطةٍ غاشمةٍ حريةَ مواطنٍ ليس لديه غير كلمته. ويجهر فيها فرج بيرقدار أََمام قضاة المحكمة بأَنَّ دولةً تُعتبر فيها الكلمةُ جريمةً يُحاكم عليها المرءُ غيرُ جديرةٍ بالحياة، ولا حتى بالدفن. وفي ما قد يشرحُ ما نتابع من توحشٍ ترتكبه السلطة السورية الآن، قال الكاتبُ في المرافعةِ قبل 19 عاماً إِنَّ سلطةً جاءَت بالعنفِ يصعبُ عليها أَنْ تتصور إِمكانية إِسقاطِها بغير العنف.
بحريةٍ يكتبُ فرج بيرقدار نصوص كتابه (162 صفحة)، لا يكتمُ فيها شعوراً في لحظةِ شجىً عبرت إِليه، ولا يتقصَّدُ فكاهةً في سردِه تفاصيلَ يوميةً له في السجن مع رفاقه في المهاجِع، ولا يفتعل شجاعةً استثنائيةً في تدوينِه بعض ما جرى معه في غير تحقيق. إِنه يكتبً أَن للسجن قراءاتٌ متعددة، لكن، من حقِّها وواجبِها أَنْ تُحيل إِلى مرجعيةٍ واحدةٍ وحيدةٍ هي الحرية. ولذلك، حضر كل شيء في نصوصِه، الفجائعي والخوف والوجع والعبث، وغير ذلك مما ينتاب شخصا يغالب همّاً استثنائياً، هو ترويضُ الزمن، طالما أَنَّ السجن “زمنٌ حجري” في واحدٍ من تعريفاتِ فرج الذي يُدوِّن واحدةً من صيحاتِه، الجوانيّة ربما، : يا إِلهي، كم يبدو الزمنُ بطيئاً ودبقاً وكريه الرائحة. ويكتبُ في سطرٍ من سردٍ طلق أَنَّ “الأَيام مضت خائفةً متلجلجةً ونازفة. وفي عبارة أُخرى، إِنها تمضي طائشةً ومترنحةً، بل غامضة ومتحفزة وموحشة وعمياء”. ولأَنَّ الصمتَ مفردةٌ ثقيلةُ الحضور في هذه التجربة، ويأتي عليه عنوانُ الكتاب، فإِنَّ فرج يراه امتداداً أَو ظلاً أَو وجهاً آخر للصراخ.
صاحبُ النجوى الحارّة في نصوص هذه التغريبة شاعر، لا يبدو أَنه يُجازفُ في تقديمِه لها بأَنَّ الشعر كان سبباً في حمايتِه وتحريرِه، والبديعُ في نصوص التغريبة أَنَّ الشعر حاضرٌ خلفها، لا في صدارتها، لأَنَّه معنيٌّ بالأَلم كحقيقةٍ وليس مجازاً، وبثقل الزمن القاسي مُعاشاً وليس متخيلاً أََو غوايةً تُعابثها قصيدة، فالكرابيج والسياط حين كانت تشخط الهواءَ بزفيرها، كانت تترك وراءَها “أَنيناً مخطوفاً، تتخلله شهقاتٌ داميةٌ متقطعة”، لا شعرَ هنا، بل هي واحدةٌ من الوجبات إِياها في سجنٍ سوريٍّ شنيع. ... عافاك الله فرج بيرقدار وحماك وأَبقاك.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور