عندما تقرأ تقريرَ الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في فلسطين (ديوان المظالم)، لن تُفاجأ باعتداء رجالٍ من شرطة حكومة حماس في غزة، الأُسبوع الماضي، ومن الشرطة النسائية أَيضاً، وعناصر أَمنٍ بلباس مدني، على اعتصامٍ نسويٍّ سلميٍّ ضد الانقسام، نظمه الاتحاد العام للمرأَة الفلسطينية، وشاركت فيه ناشطاتٌ ومدوناتٌ وصحافيات، وقد وصفت هيئاتٌ مدنيةٌ الهجوم بأَنه “همجي”. ولمّا اعتذرت حكومة حماس عن هذه الممارسة البالغة العسف، ولمّا قالت إِن تحقيقاً سيجري لمحاسبةِ المسؤولين، فإِن المتابع يستدعي إِلى باله أَنَّ فظاظةً مشابهةً اقترفتها شرطة السلطة الوطنية، قبل شهور، في رام الله، في اعتداءٍ شنيع على متظاهرين ضد زيارةٍ كان مقرراً أَن يقوم بها إِلى مقر الرئاسة الفلسطينية مجرم الحرب الإسرائيلي، شاؤول موفاز، وقيل، عقب ذلك، إن تحقيقاً جرى في الواقعة. نلحظ مثيلاتٍ لهذه المشابهة في أَحدث تقرير للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، منها أَنَّ تسع شكاوى ضد السلطة في الضفة الغربية، تلقتها الهيئةُ الشهر الماضي، عن ممارساتِ تعذيبٍ وسوءِ معاملة، وثماني شكاوى ضد حكومة غزة، وتركزت كلها على التعذيبِ واللكم والضرب.

ذكرت الهيئة الحقوقية، أَيضاً، أَنها تلقت، الشهر الماضي، 21 شكوى في الضفة عن عدم صحة إِجراءاتِ التوقيف والاعتقال، والتي غالباً ما تكون تعسفيةً أَو لأَسبابٍ سياسية، وتلقت 24 شكوى مشابهة في غزة. ووثقت أَربعاً بشأن عدم تنفيذ قرارات المحاكم، شملت الفصل التعسفيَّ من الوظيفة العامة، وشرط السلامة الأَمنية عند التعيين، وأَفادت بأَنها تلقت شكوى خامسة في غزة. أَما المنع من السفر والاعتداءات على الحريات الصحافية والتجمعات السلمية والاجتماعات العامة، فإِن أَجهزة الحكومة المقالة في غزة تستأثر بالحيز الأَكثر من هذه الممارسات. وفي الجناح الآخر للوطن الفلسطيني، تعرَّض أَكاديميون معتصمون، أَمام الرئاسة في رام الله، للمطالبةِ بوظائف، إِلى الرشِّ بمادة دهانٍ من أَفراد الأَمن (). وتقرأ في التقرير عن حالاتٍ موثقةٍ عن حالات استدعاءٍ إِلى أَجهزة الأَمن في الضفة وغزة لأَسبابٍ سياسية، وعن حالات استبعاد أَصحاب الشكاوي من التعيين في وزارة التربية والتعليم لأَسباب سياسية أيضاً، أَو بشكلٍ تعسفي.

تُذكِّر هذه النتفُ الموجزةُ، هنا، بتحقيقٍ صحافي عن ممارساتٍ مروعةٍ ارتكبتها سلطتا “حماس” و”فتح”، عقب الانقسام والاقتتال الدامي بينهما قبل سنوات. فاز التحقيق للصحافية نائلة خليل، بجائزة سمير قصير لحرية الصحافة. ترد فيه (فنونٌ) غير قليلة احترفتها أَجهزةُ السلطتين مع المعتقلين والمحتجزين والموقوفين والمخطوفين، منها الشبحُ المتواصل والضربُ القاسي والتكبيلُ الدائم والبردُ الشنيع وتوثيق الأيدي والأرجل بالجنازير. ومن ذلك أَنَّ الفتحاوي، طارق منصور، دُقَّت مساميرُ في قدميه في سجون “حماس” في غزة، وأن عنصر الحركة، مجدي جبّور، غُرزت مفكّاتٌ في جسدِه في سجنٍ في نابلس. وعلى ذمة ذلك التحقيق، فإِنَّ عائلاتٍ هجرت بيوتَها قرب مقرٍّ للشرطة في غزة، بسبب صراخ المعتقلين فيه جرّاء التعذيب.

هما أَرشيفٌ غيرُ بعيد وتقريرٌ جديدٌ برسم التأمل في الحالةِ الفلسطينية التي تقيم في القاع، سيّما وأنه لا تبدو أَمارات تشير إِلى قرارٍ مؤكد بإنهاء الانقسام الفصائلي والجغرافي، ولا مجازفةَ في الظنِّ هنا أَنَّ المعجزة المشتهاة لطي صفحتِه الواسعة ما زالت غير منظورة.. نهنئ طرفي الانقسام العتيد على وحدتِهم في ممارسة العسف والتعذيب والتسلط، وفي قلة احترام مواطنين لم يعودوا يطلبون منهما تحرير فلسطين، بل أَنْ يعرفوا حقوق البشر الطبيعية.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور