سيكونُ عاراً فلسطينيا، وعربياً أَيضاً، أَن ينتهي العدوان الحربي، الإسرائيلي الراهن، على فلسطينيي قطاع غزة، بهدنةٍ مرتجّة، ثم تعود تفاصيل ما قبله إِلى رتابتها، من قبيل دوام الانقسام المخزي او استمرار حصار القطاع، وكأَنَّ خدشاً خرمَها ثم اعتدلت. والبادي أَنَّ هذا المتوقع أَنْ يصير هو ما سيصير، لأَنَّ آذاناً من عجين استقبلت بها حركة حماس نداءاتٍ حارّةٍ إِلى إِنهاء الانقسام، في أُتون جرائم القتل الإسرائيلي التي قضى فيها أَكثر من مائةٍ وخمسة عشر فلسطينياً في خمسة أَيام. وهذه حكايةُ رفع حصار القطاع وفتح معبر رفح بشكل دائم بقيت في السياق الكلامولوجي، والفلكلوري المناسباتي، المعهود في مثل جائحةِ العدوان في هذه الأيام. ولم تخرج المعالجاتُ العربية، ومنها المصرية، لهذه الجائجة، في سبيل وقفها، والبناء عليها فلا تُكرِّر إِسرائيل ما ارتكبته في أثنائها، لم تخرج عن المألوف الذي يتوسَّل تهدئةً مرتجلة، ويتوجَّه إِلى “المجتمع الدولي ليتحمل مسؤولياته”(
)، وينشط في المكالمات الهاتفية مع الأَميركيين، باعتبار أَنَّ لهم الدالةُ المعلومةُ على المجرم الإسرائيلي، وهي الدالّة التي لا تغفل “حق” المجرم المذكور في الدفاع عن نفسه.
أَطنبَ مسؤولون مصريون وتونسيون، في الأيام الماضية، في القول إِنَّ الحال العربي تغيَّر عما كانه. وللحق، يشتهي المرءُ هذا التغير، سيما بشأْن المحنةِ الفلسطينية تحت الاحتلال، واستنفار إِمكانات الأمة في سبيل إِنهاءِ هذا الاحتلال وتحرير فلسطين.
ويمكن نسبةُ ذلك الكلام عن التغيير الغائب إِلى العاطفيِّ الذي ينفعُ في شحذِ الهمّةِ والمعنويات، غير أَنَّ صلته بالحقائق والوقائع ضعيفة. ولا نغادر البلاهةََ والسذاجةَ إِذا أَوهمنا أَنفسنا بأَن مصر في العامين الماضيين تعافت، وصار في وسعِها أَنْ تُوظف إِمكاناتها الكبيرة في نهوض العرب ومسار تحررهم. ولا نحسبُ هذا أَمراً بعيداً، لكن استحقاقاتٍ داخليةً عويصةً، وغير قليلة، لا بد وأَنْ تنقضي، لتعبرَ مصر إِلى الحال الذي يُمكِّن رئيسَها، أَياً كان، أَنْ يلغي معاهدة السلام مع إسرائيل، وأَنْ يُحقق سيادةَ بلاده كاملةً على أَرض سيناء، وأَنْ يُواجه الجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة وغيره بعملياتٍ عسكرية عقابية، تردعُ العصابات الحاكمةَ في تل أَبيب عن استباحاتِها المعهودة في فلسطين، وفي غير مطرحٍ عربي.
لم يتغيَّر الحال العربي بعد، فقد دلت نتائج الاجتماع الوزاري على أَنه ما زال يمكثُ في الهوان إياه، غير أَنَّ التسليم بالحقيقة هذه لا يعني أَنَّ المستجدَّ الذي صار يسري في شرايين الجسد العربي وعروقِه هيِّنٌ، بل كبيرٌ وعظيم، والأُفق الذي يمضي إِليه مبشِّر، أَياً كانت خيباتُنا من العثراتِ المنظورةِ في مصر وتونس وغيرهما، لأَنَّ النهر يجري، وفي وسعِه أَنْ يُزيحَ، في الأثناءِ، كل حصىً قدّامه، غير أَنَّ صخوراً هي ما نلحظها قدام تحقق المصالحة الفلسطينية المشتهاة. لا تريد قيادات “حماس” في غزة أَنْ تُبادر إِلى الخطواتِ الشجاعة اللازمة منها في هذا الاتجاه، والخشيةُ أَنْ يرى أَصحابُ الرؤوس الحامية فيها في جائحةِ العدوان الإسرائيلي، وفي صواريخ المقاومة على تل أبيب، مناسبة يتمُّ استثمارُها في تصليب المواقف المضادة لإرادة المصالحة، والتي لا نظنُّه صدع بالحقيقة إِسماعيل هنية لمّا قال إِنها خيارٌ استراتيجي في جركته. لا نلحظ أَيَّ مقادير من الاستراتيجية في العقل السياسي الفلسطيني، من يقيم في غزة ومثيله في رام الله، بدليل أَنَّ ما بعد العدوان سيكون ما قبله، وهذا عار.
المراجع
rasseen.com
التصانيف
صحافة العلوم الاجتماعية مقالات
login |