أَنَّ المصالحةََ الفلسطينية لم تُنجز في 2012، ولم ينتِه فيه الانقسامُ المخزي إِياه، وأَنَّ نظام الاحتلال القابض على السلطة المتداعية في سوريا لم يسقط، حدثان لا تزيَّد في اعتبارهما أَبرز وقائع العام الذي يرحل اليوم. وإِذا كان المعهودُ في مواسم انتهاءِ كل عامٍ استعراض أََهم حوادثِه، فمن الجائز أَنْ يُؤتى على ما لم يقع من انتظاراتٍ كانت الآمالُ عريضةً بأَنْ تتحقَّق في العام الذي مضى عند استقبال شهورِه وأَيامه. ... حدسنا، في مثل هذه الأيام قبل سنةٍ، بأنَّ زعامات “فتح” و”حماس” ستُنهيان أَشنع ممارسةٍ سياسية في تاريخ فلسطين، حتى إِذا ما وقّعا اتفاق الدوحة في فبراير الماضي، ارتفعت الآمالُ بذلك إِلى مرتبةِ المؤكد، لكنَّ الذهنية الفصائلية النفعية الضيقة غلبت وتحكَّمت. ولأن هذا ما صار، نكون سذَّجاً إِذا لحست أَدمغتنا خطبٌ إنشائيةٌ غرقنا فيها في الأَسابيع الماضية عن المصالحةِ خياراً استراتيجياً لدى “حماس” و”فتح”، ووقعنا في العام الجديد في انتظار أَنْ تنحلَّ حكومتا السلطتين الكاريكاتوريتين في رام الله وغزة، ويعبرَ الفلسطينيون إِلى أَجواءِ الوحدةِ الوطنيةِ والجغرافيةِ المشتهاة. كلنا آَملٌ في أَنْ يحدُث هذا، وأَنْ تجدَ القاهرةُ في إِنجازِه في الأَسابيع المقبلة، لكننا نُؤثر أَنْ لا نتوقعَ ذلك حدثاً كبيراً في 2013.

عدم قُدرتنا على تعداد الضحايا السوريين، القتلى والجرحى والمخطوفين والمهجرين والنازحين واللاجئين، كان حدثاً بارزاً في 2012، وفي البال أَنَّ يومي الجمعة والسبت الماضيين شهدا مقتل نحو 400 سوري، بعضُهم في إِعداماتٍ ميدانية، بينهم أَطفالٌ ونساء. توالت محدلةُ الموت في البلدِ العربيِّ الذي ظلَّ يتحطَّمُ أَمام عيوننا في الإثني عشر شهراً الماضية، وسط عبثٍ سياسيٍّ تافه، شارك فيه الجميع، العرب والغرب، ومعهما المعارضاتُ السورية. لا إِرادةَ دوليةً ظهرت في العام الماضي باتجاه إِنهاءِ المحنةِ السوريةِ التي يُصرُّ نظامُ دمشق على استمرارِها، من دون ذرّةِ شعورٍ أَخلاقيٍّ بالمسؤولية، وبوجوبِ حمايةِ ما تبقّى من البلدِ وأَهله ومقدّراته، بأَنْ يُغادر الأسد وجماعتُه السلطة، فتعبر سوريا إِلى حلٍّ سياسيٍّ يُنقذها، وينتشلُها من قيعان جحيمٍ تُقيم فيه منذ نحو أَربعين عاماً. أَنَّ شيئاً من هذا لم يتحقق هو العنوان الأَبرز في العام الذي نُودِّعه، وكنّا نشتهي أَنْ يشهدَ وداعَ سوريا آلامَها الفادحة، وأَنْ يرعوي محبو النظام السوري ومشايعوه ومصدّقو خرافات مقاومتِه وممانعته، فينصروا شعباً مظلوماً، بدل التلهي بالثرثرةِ عن مؤامرةِ قطر والسعودية وتركيا ضد سوريا انتقاماً من مبدئيتها المزعومة في الصراع العربي الإسرائيلي.

نُمايز عدم إِنجاز المصالحةِ الفلسطينيةِ، وعدم كنس نظام الأسد، حدثين أَبرزيْن في 2012، وفي البال أَنَّ العام المذكور لم يشهد وفاقاً سياسياً وطنياً جامعاً في الأردن بشأن العبور إِلى انتخاباتٍ ممثلةٍ ومعبرة، ولم يعرف وفاقاً مصرياً كان شديد الوجوب والضرورة، باتجاه خطواتِ بناءِ الجمهورية المصرية الجديدة، الناهضةِ في مشروعٍ تنمويٍّ وسياسيٍّ وطنيٍّ عام، تُقلع فيه مصر إِلى موقعِها ودورِها القيادييْن في محيطها العربي والإقليمي. ولم يسلك العراقُ مساراً يُعينُه في التخفّفِ من الاحتقاناتِ والإشكالاتِ السياسيةِ والطائفيةِ العميقةِ المعلومة، فيتحرَّر من الإراداتِ الإيرانية والأميركية التي تَخنقه، ويذهب باتجاه إِجماعاتٍ وطنيةٍ وقيام حياةٍ سياسيةٍ متعافيةٍ، ما أَمكن، من خرابٍ وعفونةٍ ظاهريْن فيها. ... الأَوضح، إذن، في 2012 أَنَّ ما اشتهيناه في مطالعِها، في سوريا وفلسطين خصوصاً، وفي مصر والأردن والعراق، أَمثلةً، لم يحدُث.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور