قد لا يكونُ مستغرباً أَنَّ احتشادَ نحو مليون فلسطيني في الاحتفال بالذكرى ال 48 لانطلاقةِ حركةِ فتح في غزة، يوم الجمعة الماضي، فاجأَ قيادات فتح وحركة حماس معاً، ولا تزيّدَ في الزعم أَنَّ مفاجأةَ هذه المليونية الحالةَ الفلسطينيةَ عموماً كانت واقعةً ثمينةً، غنيّةً بالرسائل والدلالات، أَولها أَنَّ الاستهدافَ الرديء الذي ظلت أجهزة حماس تقترفُه ضد منتسبي فتح في قطاع غزة، في سنوات اختطافِها الست المتواصلة له، لم يفلح في إِزاحةِ مكانةِ الحركة الوطنية الفلسطينية الأولى بين شعبها وجمهورها العريض، كما لم تنجح سلطةُ فتح في رام الله في قتل فكرة حماس في نفوس أهلها في الضفة الغربية. والثانيةُ مما يُلحظ في مفاجأَة غزة بين زوبعةِ الدلالاتِ غير الهيّنة أَنَّ أَغلبيةَ مواطني القطاع المحاصر والمختطف لم يعودوا يروْن في حماس خياراً سياسياً ووطنياً مفضلاً لديهم. ويمكنُ اعتبار الحشد استفتاءً ناقماً على سياسات الحركة الإسلامية الحاكمة، وإن سيُقال إِنَّ حشداً غير قليل تجمَّع، قبل أَيام، في غزة، واحتفل بذكرى تأسيس حماس، غير أَنَّ الأََجدى بإِنعامِ النظر فيه أَنَّ قطاعاتٍ واسعةً من غير المنتسبين إِلى فتح والفصائل الوطنية، ومن ذوي المزاج الحر والليبرالي والديمقراطي، تميلُ إِلى نصرة فتح في عيدِها، وما زالت تنحازُ إِليها أُفقاً وطنياً وسياسياً أَكثر تعبيراً عن أَشواقِهم، إِذا ما كانت المفاضلةُ بينها وبين حماس.
وإِذ أُفيد بأَنَّ أَعداداً غير فتحاوية شاركت في حشد يوم الجمعة، فذلك مما يُجيزُ التذكير بأَنَّ فتح ظلت تاريخياً الأَقدر على استيعاب النزوعات القومية والديمقراطية والماركسية وبعض الإسلامية، وهذا أَهمُّ ما يجدرُ أَنْ يبقى الحرصُ عليه أَولويةً متقدمةً لدى قيادات الحركة وناسِها، ما يفرضُ عليها مراجعةً جديةً وشجاعةً لأَسبابٍ غير قليلةٍ أَحدثت ازوراراً كبيراً عنها في انتخاباتِ المجلس التشريعي قبل سبعة أَعوام. لم يُبادَر إِلى هذه المراجعة في المؤتمر العام السادس لفتح في بيت لحم في 2009، ما يجعلها ما زالت شديدةَ الوجوب، على أنْ تتجاوز واقعةَ الإخفاق تلك، إِلى بحثٍ أَعمق في التداخل بين السلطة الوطنية وفتح، والذي أَضرَّ بالحركةِ كثيراً، واستهلك شعبيَّتها ودورَها، وجعلها تكتلاً منعوتاً بالفساد والشخصانية والمصلحية والارتجالية، ولم يأْتِ له الاستحواذُ على أَجهزة الأمن، مثلاً، بغير تآكل المكانةِ الوطنيةِ الجامعة لها، سيّما وأَنَّ هذا الحال، المبالغ في توصيفِه أَحياناً، اقترنَ مع طريقٍ مسدودٍ تورَّط فيها المفاوض الفلسطيني، الفتحاوي أَساساً، مع إِسرائيل، الأَمر الذي لم تَجترح بشأنه فتح أُفقاً يُبدِع صيغةً تُؤاخي بين خياراتٍ كفاحيةٍ مختلفة. وفي البال أَنَّ البرنامج السياسيَّ الذي تبناه مؤتمر بيت لحم جاءَ على المقاومةِ حقاً مشروعاً للشعوب تحت الاحتلال بموجب القانون الدولي، وعلى التفاوضِ خياراً مأخوذاً به. ويتمُّ النذكير، هنا، بالبرنامج المعلن فيما لم يجد زعيم فتح، الرئيس محمود عباس، غير خيار تسليم مفاتيح السلطة الوطنية لبنيامين نتنياهو، لعدم تجاوبِ الجانب الإسرائيلي مع المطالبِ الفلسطينيةِ العادلةِ في هذا التفاوض.
حركةُ فتح مدعوةٌ إِلى مراجعةِ هذا وغيره، وإِلى عدم الاستسلام للانتشاءِ بمفاجأَة حشدِ غزة، فتذهب إِلى علاجِ ترهلٍ وفيرٍ أَصاب تنظيمَها، وإِلى فحص سوءاتٍ كثيرةٍ في أَدائها، في السنوات الماضية، في غير مسألة، وإِلى الحفر عميقاً في أَسبابِ نقصان المصداقية في صلةِ فتح مع شعبها، لتصيرَ ممكنةً استعادةُ الحركة التاريخية مكانتَها الرائدةَ في فلسطين الموحدة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور