لم يجد الرئيس محمد مرسي حلاً للتوتر الأَمني والسياسي والاجتماعي، الحاد والمتواصل، في بلادِه، غير دعوته قوىً وأَحزاباً وفاعلياتٍ إِلى الحوار الوطني (معه؟)، فيستجيبُ بعضهم ويرفض آخرون. ويوازي الرئيس دعوتَه بتأكيد الحقِّ في التظاهر مع سيادة القانون عند الإخلال بالأمن. ولمّا كان إِطلاق هذا الكلام، والإلحاح على الحوار بكيفيةٍ غير مقنعةٍ غالباً، هو دأبُ مرسي في غيرِ أَزمةٍ في شهور رئاستِه السبعة الماضية، فذلك يعني محدوديّة الخياراتِ التي يُقيّد بها مرسي نفسَه في معالجةِ هذا الملف العويص قدّامه، والمرتبط بأَحوالٍ معيشيةٍ واقتصاديةٍ صعبة يُغالبها المواطن المصري. ويعني أَنَّ الرجل يتوسلُ صيغاً بالغةَ التقليدية في مواجهتِه مشكلاتٍ غير تقليدية، وشديدة التعقيد ربما، وهي صيغٌ بات واضحاً انعدامُ تأثيرها الإيجابي. وإذا صحَّ أَنَّ استهدافاتٍ غير هيّنةٍ من الفلول والإعلام الكثيف المعادي للإخوان المسلمين تُضاعفُ الضغوطَ الثقيلةَ على مرسي، فذلك يُسوِّغ مطالبةَ الرجل، وهو في مقامٍ عظيم المسؤولية، خيالاً خلاقاً لاجتراح حلولٍ مبتكرةٍ وجريئة، تذهبُ إِلى صلب المشكلات الماثلة، وليس إِلى حواشيها. والبادي أَنَّ الرئيس المصري، القادم من موقعٍ إِخوانيٍّ معروف، تنقصُه رؤيةٌ مثل هذه، ما يُورّطّه في المراوحةِ التي يُقيم فيها، ووسط عواصف داخلية وخارجية، تتطلبُ حماية مصر من تأثيراتِها زعامةً كاريزميةً ذات مكانة شعبية وشخصية قيادية، وفاقيةٍ جامعة.

كان الاطمئنانُ قوياً فينا إِلى أَنَّ في وسع مصر، مهما تعاظمت المشكلات، ومهما طالت مكايداتُ السياسيين فيها، فإنها قادرةٌ، وفي وقت قصير، على أَنْ تتجاوز هذا الحال، وتمضي إِلى الأُفق الذي بشَّرت به ثورة 25 يناير، غير أَن الأَحداث الدامية، الأسبوع الجاري، موصولةً بما تراكم قبلها من تأزمات، صارت مقلقةً وغير مطمئنة. نلحَظها نتاجَ مسارٍ أَعوج، انعطفت إِليه مصر بعد خلع حسني مبارك، ومع تولي المجلس العسكري السلطة، حين بدا أَنَّ قيادات المجلس ليست متحمسةً لحالةٍ ثوريةٍ عميقةٍ في البلاد، وتُؤثِر تعديلاتٍ في النظام السياسي الحاكم، لا تُخلخل ركائزَه المحافظة والفاسِدة والمرتهنة. وتعزَّزَ المسار الأعوج، حين ذهبا بمصر، المجلس وقوى الإسلام السياسي، إِلى أَولوياتٍ غير ملحة في حياة المصريين، من قبيل استفتاءٍ على تعديل دستوري، أَعقبته عدة تعديلاتٍ دستورية، مع تورطٍ في جدالاتٍ استنزفت البلادَ بشأن هذه المادة وتلك في مشروع دستور، انسحبت الكنيسةُ والنقاباتُ والتياراتُ المدنية من جمعيةِ صياغته، وهي جمعيةٌ ظلَّ (ولا يزال) السؤال قائماً حول سلامة تشكيلتها دستورياً. وفي الأَثناء، كانت مصر تعرف مزيداً من تدنّي مستوى الخدمات وارتفاع الأسعار وسوء الأحوال المعيشية، معطوفاً كله مع غضبٍ اجتماعيٍّ،شبابيٍّ خصوصاً، ما انفكًّ يتراكم، ويراقب أَداءً متواضعاً لحكومةٍ كان منتظراً منها، أَو مطلوباً على الأصح، أَنْ تكون خلاقةً في تشخيص الأَحوال، وفي إِطلاق مشروعاتٍ وخططٍ اقتصاديةٍ واعدة، وإِنْ بإمكاناتِ الواقع وممكناتِه. لم تُدهش الحكومةُ أَحداً، اختارت طلبَ قرضٍ من صندوق النقد الدولي، وقال الوزير ممتاز السعيد إِن الغلاءَ سنة الحياة، وتباهى الرئيس بانخفاضِ سعر المانجا.

نعم، على المعارضةِ وأَركانها وتكتلاتها مقاديرُ من المسؤولية، سيّما مع تشوش الرؤى وتظهير العصبيةِ والانفعال. نعم، هناك مواريثُ لها نفوذُها الغالبُ في المجتمع، من قبيل احتدام القبلية الكروية بين “الأَهلي” و”بورسعيد”. ولكن، على صنّاع القرار، أو صانِعه في بلادِنا العربية الزاهرة، المسؤولية الأَهم، ولأَنَّ الأمر كذلك، لم يُثبت محمد مرسي كفاءَةً خاصة لديه في تحملها.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور