فرصةٌ طيبةٌ تيسَّرت لنا، وكنا مجموعة صحفيين عرب، في لقاءِ رئيس الوزراء المغربي، عبد الإله بنكيران، في الرباط، ردَّ فيها على أَسئلتنا بإِضاءاتٍ مهمة في غير شأن. وبوداعتِه الاستثنائية ولطف شخصيته ومزاحِه وبساطتِه وتلقائيته، وكذلك بحرصه على صورتِه مسؤولاً كبيراً في بلده، يأخذ الرجل مجالسيه، لجاذبيةٍ فيه، أَعترفُ بأَنها ضاعفت من إِعجابي به، ولم أَكن قد التقيته، وإِِنْ تابعتُ، منذ سنوات، مسارَه، قيادياً في حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية، ثم أَميناً عاما للحزب، وصولاً إِلى رئاسته أَول حكومةٍ مغربيةٍ بعد أَنْ توسعت صلاحية رئيس الوزراء ونقصت صلاحيات الملك، بموجب الدستور الذي انعطف به المغرب، بعد إِقراره في استفتاء عام في تموز 2011، إِلى تحول ديمقراطي واسع. وإِذ أَقرأ في صحيفةٍ مغربية أَنَّ بنكيران، “بشخصيته الفريدة ومصطلحاته الغريبة وغير المسبوفة”، يُساهم في زيادة تدفق هرمون “الميلاتونين”، المرتبط بالسعادة، لدى المغاربة، فذلك يجعلني أَغبط أَشقاءنا، مع تقديرٍ مؤكدٍ لمعارضي حكومة بنكيران، والذين لا يوقرونها أَبداً في مؤاخذاتٍ وهجماتٍ متوالية. كنا سعيدين في استماعنا إِلى بعضِها في جلسةِ مساءَلةٍ في البرلمان، بعد كلمة لبنكيران، نفى فيها ما اعتبرها إِشاعات عن رفع أَسعار لم يحدث، وعقب المساءلات، ردَّ في كلمة، أَبهجتنا لغتُها العامية، سيّما في مخاطبته “إخوانه المغاربة”، وحديثه عن “أَطراف الله أَعلم بها” تعمل على عرقلة عمل حكومته.

يُخبرنا عبد الإله بنكيران أَن حزبه لا ينتسب إِلى “الإخوان المسلمين”، ولا علاقة تنظيمية ومن أَي نوع بهم، وأَن للحركة الإسلامية المغربية خصوصيتها. ويبلغنا أَنه لا يدّعي أَنَّ حكومته، في الأربعة عشر شهراً الماضية، نجحت مائة بالمائة في عملها ورهاناتها، وأَنها تمارس صلاحياتها في إِطار الدستور الجديد الذي يحفظ للملك مكانته الأَساسية. ويقول لنا بنكيران إِنَّ هذه الحكومة الائتلافية، والتي يقودها “العدالة والتنمية” (11 وزيراً)، لحصوله على المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية في نوفمبر 2011، تخوض الآن امتحاناً، كما الدولة المغربية عموماً، من حيث الرهان على تحقيق إصلاحاتٍ عميقةٍ في غير ملف، وفي حل مشكلاتٍ عويصةٍ غير قليلة، تتصدرها إِشكاليات الفقر والبطالة ومحاربة الفساد. وما إِذا كان المغرب سينجح في عبور هذا الامتحان، يترك بنكيران الإجابة لمجريات التجربة نفسها، وللاشتباك الحكومي الحادث مع التحديات غير الهينة، وأَهمها التحدي الاقتصادي والتنموي، وكذلك المعيشي للمواطنين. ويقول رئيس الوزراء المغربي إِنَّ تعزيز دولةٍ تقوم على الأَحقية والنزاهة والشفافية والكفاءَة هو الرهانُ الجوهريُّ في الامتحان المذكور، والانتهاء من دولة الرشوة والانتهازية والتزلف إِلى المسؤولين. ويوضح أن إصلاحاتٍ كثيرةً تنتظر حكومته، كانت تؤجلها الحكومات السابقة.

نذهبُ، في حوارنا غير القصير مع عبد الإله بنكيران، إِلى غير شأن محليٍّ مغربي، ونُعرج على قضية الصحراء، فيجيب أَنه ليس لدى المغاربة سوى الدعاء من الله أَن يهدي إِخوانهم الجزائريين، ذلك أَنه لا أَساس لهذه القضية من الصحة، وتنتهي حين تتوقف الجزائر عن دعم مغاربةٍ انفصاليين. نسمعُ شيئاً مشابهاً، في اليوم التالي، من وزير الخارجية المغربي، سعد الدين العثماني، الأَمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية، الحزب الإسلامي الذي لا تزَيَّد في الجهر، هنا، بأَنَّ تجربته استثنائيةٌ عربياً، والرهان كبير على أَنْ تكون كذلك وهو في سدة المسؤولياتِ الثقيلة في الحكم، بقيادةِ رجلٍ بديع، اسمه عبد الإله بنكيران، ودَّعنا بالقبلات والأحضان، كما استقبلنا.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور