أَنْ نمتعض، نحن مناصرو الشعب السوري ضدَّ النظام الذي يحتلّه، من نصرة هوغو شافيز هذا الاحتلال، وأَنْ لا يُعجبنا في الزعيم الفنزويلي الراحل ولعه بمعمر القذافي، وأَنْ لا يستطيب بعضُنا شخصانيّته وخطابيَّته وشغَفه بالمظهريّات الشعبوبية والتلفزيونية، فذلك كله، وغيرُه ربما، لا يُجيز لأَيٍّ منا الانتقاصَ من القيمةِ الثمينةِ التي جسَّدها شافيز في الفضاءِ السياسيِّ العالمي، ولا أَنْ تُعمينا تلك المآخذ عن نظافةِ هذا القائد في مناهضتِه إِسرائيل والصهيونية، وانتصارِه للشعب الفلسطيني، ولا عن محاولتِه الصادقة في إِعادةِ اليسار في العالم إِلى مكانةٍ طيبة، بوفاءٍ لجوهر الاشتراكية لا يكتفي بالتصدّي اللفظي للولايات المتحدة والرأسمالية، المتوحشة والسارقة خصوصاً، بل تنحازُ، عملياً، إلى الطبقات الفقيرة، وتعملُ من أَجل عدالةٍ اجتماعيةٍ حقيقيةٍ ما أَمكن، وإِن بقيت العيوبُ والمحسوبياتُ إِياها، وإِنْ لم تخلُ الممارساتُ من أَخطاءٍ وخطايا. وجيّدٌ، في السياق، أَنْ نعرفَ أَنَّ البطالةَ بين شباب فنزويلا في 14 عاماً لرئاسات شافيز نقصت كثيراً، وكانت مهولة قبله، وأَنَّ نمواً اقتصادياً تواصل باضطراد في السنوات الأَربع الماضية، وانخفضَ الفقرُ في البلاد إِلى النصف. ومهمٌّ أَنْ نعرفَ أَنَّ “الكومانداتي” الراحل صرف 400 مليار دولار من عائدات النفط في بلادِه في مشاريعَ نفعُها مباشرٌ على حياة الفنزويليين. وفي البال أَنَّ فنزويلا ثالثُ دولةٍ في العالم منتجةٍ للنفط ورابعُ دولةٍ مصدرةٍ له، وأَنْ يُقال أَنَّ شيئاً من الفساد وبعض التبديد للثروة كان ظاهراً في أَثناء ولايات “القائد العالمي”، كما أَحبَّ تشافيز أَنْ يُنادى، فذلك لا ينزعُ عنه صدقيَّته في مزاولةِ أَحلامه الثورية، في زمنٍ يكادُ لا يكون فيه مطرحٌ لمثلها، وقد صارت اليدُ الطولى للولايات المتحدة أَزيد طولاً وعرضا معاً.

يبدو العميد هوغو شافيز فرياس طلقةً قادمةً من ستينات القرن الماضي وخمسيناتِه، وأَقامت في مقطعٍ زمنيٍّ عابر في عشرية القرن الحادي والعشرين الثانية. وقد لا يفاجئنا أَنْ تنعطفَ فنزيلا، بعد سنواتٍ قليلةٍ، إِلى ساداتيةٍ مقيتة، وفي البال أَنَّ فقيد هذه البلاد الكبير اعتبر نفسه ناصرياً، ونظنُّه لم يتزيّد في هذا، فقد كان نفورُه من الشيوعيةِ واضحاً، وخلطَ الاشتراكية المنحازة للفلاحين والفقراء والعمال بشيء من الرأسمالية، ترك هوامشَ لمبادراتٍ فرديةٍ ناجحة. والبادي أَنَّ الولايات المتحدة التي كان يبيعها شافيز النفط، باعتبارها سوقاً قريباً، تنتظر بلهفةٍ سادات فنزويلا، ونُخمّن أَنها ستنشطُ من أَجل صناعتِه وتلقفه، وليس سراً أَنها دعمت معارضاتٍ للرئيس الراحل، سرّاً وعلانيةً، وساندت محاولةً انقلابيةً غير منسيةٍ ضده، وهذا فنزويليٌّ تحدَّث، بعد إِعلان وفاة زعيمِه، عن تحالفٍ محتملٍ بين واشنطن والسرطان الذي قضى فيه شافيز عن 58 عاماً، بعد سيرةٍ مثيرة، تجعل “ساحر الجماهير”، بحسب واحدٍ من أَلقابه المحقّة، شخصيةً تغوي روائياً كبيراً بتشخيصها، سيّما وأَنَّ شافيز مكث في غضونِها عامين في السجن، جرّاء محاولتِه الفاشلة إِنجاز انقلابٍ عسكري، وبعد أَربعةٍ وعشرين شهراً على خروجِه معفياً عنه يصبح رئيساً منتخباً، ثم يتجدّد انتخابه مرتين، بعد تغييرِ دستور اليلاد التي صارت بموجبِه “جمهورية فنزويلا البوليفارية”، وكانت “الجمهورية الفنزويلية” فحسب.

... بالتسميةِ هذه، يُؤكد شافيز حلمَه بوحدةِ أَميركا اللاتينية، والتي سعى إِليها سيمون بوليفار في القرن الثامن عشر. وهذا مبعثُ إِعجابٍ مضافٍ بالراحل الذي كان بديعاً منه لو أَنه قرنَ إسناده الشعب الفلسطيني بانتصاره للشعب السوريّ الجريح.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور