موجزُ الخبر أَنَّ السلطة في سوريا سلّمت، قبل أَيام، إِلى حركة فتح مقارّها (وعقاراتها؟) التي كانت السلطة المذكورة قد صادرتها، في دمشق، قبل ثلاثين عاماً، ووهبتْها لمجموعةٍ منشقةٍسمَّت نفسَها “فتح الانتفاضة”، صنعتها المخابراتُ السورية بوهم التبخيسِ من زعامة ياسر عرفات، والتشنيع على وطنيّته، ثم خابَ صنيعُها ذاك، كما هو معلوم. وعلى ضآلة تفاصيله، وقد أَذاعته “الجزيرة”، فإِن الخبر يوحي بأن نظام دمشق لا يكفُّ عن تزويدِنا بدلائل غزيرةٍ على انتهازيته، سيّما وهو يتداعى، وإن تعلق الأمر بشأنٍ متواضعِ الأهمية، واتصل بمجموعةٍ ملتحقةٍ به، أَخذها بؤسُها إِلى العدم. ووجهُ الانتهازية المستجدّة، هنا، يُعيب حركة فتح، وقد ارتضت قياداتٌ نافذةٌ فيها، ليس، فقط، الصمتَ عن مساندة الشعب السوري في تطلعه إِلى إِنهاء احتلال عائلة الأسد، بل، أَيضاً، بإطلاق تصريحاتٍ ساذجةٍ في تحايلها حين تُحاول إِخفاءَ انحيازها إلى النظام الحاكم هناك. وهذا عزّام الأَحمد يقول لفضائية الميادين إِنه سمع من مسؤولين سوريين في دمشق، وقيل إِنه كان ضيفاً هناك مع وفدٍ من “فتح”، إنَّ سوريا أَخطأت بحقِّ الحركة عندما فضَّلت “حماس” عليها.
إِنها، إِذن، حساباتُ مداهنة النظام ومحاباته، وإِنْ أَمكن، مع التصفيق لدجله إِيّاه عن الممانعة والمقاومة، وليس منسوبُ الوطنية والكفاحية عند هذا التشكيل أَو الفصيل الفلسطيني، تُحدِّد علاقة حكام دمشق به. وهؤلاء يعملون، في هذه الأيام، على استثمار أَصواتٍ وازنةٍ في “فتح”، تُردّد أُزعومة المؤامرة على قلب العروبة النابض، ويُحاولون شدّ الحركة الفلسطينة الرائدة إِلى مطرحٍ مقيت، سيما وأَنَّ “حماس” أَخذت الخيار الصح، عندما استفظعت حدّة القتل المريع الذي واجه به النظام شعبه الذي كانت أولى احتجاجات انتفاضته إِصلاحية. وإِذا صحَّ، والله أَعلم، أَن زيارة وفد “فتح” دمشق، أخيراً، لم تكن من أَجل بحث كفّ يد النظام عن مخيم اليرموك المحاصر (وغيره)، بل لاسترداد مقراتٍ ومكاتب، لا نتوقع أَنْ تصيرَ منصاتٍ لإشاعة ثقافة الكفاح والمقاومة، بعد أَنْ يحل فيها فتحاويون من غير معدن الفتحاويين الأَوفياءِ لشعبهم وتوأمه الشعب السوري. وهنا، لا ضير من دبِّ الصوت عالياً إنَّ “فتح”، في جريرتها الجديدة هذه، حين تقترفُ مساومةً ًمن هذا النوع مع نظام دمشق تُسيئ لنفسِها وتاريخها، وتخلُّ بالبوصلة الشريفةِ المعلومةِ وجهتها إِلى حرية الشعب السوري وانتصار الشعب الفلسطيني.
نعرفُ أَنَّ أَكلافا باهظةً سيُكبدّها نظام دمشق الفلسطينيين في سوريا، دماءً وآلاماً وتشريداً، إذا ما انحازت “فتح” وشقيقاتها، من دون لعثمةٍ، إِلى الشعب السوري. ونعرفُ أَنَّ مقادير من “الناي بالنفس” قد يكون أَسلم وأَنفع. ولكن، يحسنُ أَنْ لا ننسى أَنَّ 1200 فلسطيني قضوا برصاص النظام في مخيم اليرموك وغيره في عامين، وأن الاعتداءات على الباقين فيه، سوريين وفلسطينيين، متواصلة. ويحسنُ أَنْ لا يغفر فلسطينيٌّ لأَحد، إِذا قعلها وباعَ السوريين وشعبه بمكاتبَ للثرثرة وشرب القهوة. ولأن المسألة لم تتجاوز خبراً موجزاً، فإن مصارحةً من “فتح” لشعبها، وللرأْي العام العربي، تصير مطلوبةً بشأنه، لتبيان الصحيح وغير الصحيح فيه، مع أحقية عودة تلك المكاتب والمقرات إِلى أَصحابها، ولكن، من دون أَثمانٍ من النوع الذي يبتغيه غاصبو سلطةٍ، محترفون، تاريخياً، في قبض الأثمان والابتزاز والبيع والشراء، مع الجن الأزرق إِنْ لزم الأمر، واللزوميات كثيرة جداً في ورطتهم الراهنة، والتي ذهبوا فيها بسوريا إِلى محنتها الماثلة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور