أَكثرُ من 20 مليون جهاز تلفزيون تحلَّق حولها المشاهدون، لمتابعةِ نهائيات مسابقة “أَمير الشعراء” في موسمِها الرابع قبل عامين، وهي مسابقةٌ تتنافسُ فيها مواهبُ عربيةٌ شابة، تكتب الشعر الفصيح، العموديَّ غالباً والحر أَحياناً، وصارت تنتظم كل عامين بعد أَنْ بدأت كل عام، وتُنظمها “أَكاديمية الشعر” في أبوظبي، وتبثُّ حلقاتها مباشرةً في قنوات أَبوظبي، وتعتمد تصفياتُ الوصول إلى الفائز الأَول بمليون درهم إماراتي تصويتَ لجنةٍ تحكيم متخصصة، بالتوازي مع تصويت الجمهور العام. وأَحسبُ أَنَّ المسابقة صارت معروفة التفاصيل، سيما لدى الشبّان المنشغلين بالشعر والأَدب، وإِنْ كانت لنخبٍ واسعةٍ من المثقفين والشعراء تحفظاتُها، الحادّة أَحياناً، من هذه المسابقة، بدعوى، محقةٍ على الأَغلب، أَنه لم يعد للشعر أُمراء، وما هكذا يتم تشجيعُ قراءَتِه وكتابتِه. وأَياً تكن مقادير الوجاهة في هذا الموقف، فإِنَّ البرنامج التلفزيوني، وإِنْ بجاذبية التقنيات الإخراجية فيه، وكذا في تصويرِه وتقديم نجوم فنانين حلقاتِه وفقراتِه، دلَّ على مسافةٍ شديدةِ الفداحةِ بين الإقبال الضعيف جداً على الأُمسيات الشعرية، وإِنْ لشعراء لهم مكانتُهم المقدَّرة والمؤكدة، والإقبال المهول على متابعةِ القصائد الذين يتنافس أَصحابها الشبان والشابات على لقب “أَمير الشعراء”، وفي البال أَنَّ تصويت المشاهدين لهذا المشارك أَو ذاك غالباً ما يعتمد على نسبتهم معه إِلى البلد نفسِه، ويحدُث أَنْ تتجنَّد حملةُ تحشيدٍ وطنيةٍ واسعةٍ من أَجل “شاعر الوطن”.

سُعدنا، مساء الأربعاء الماضي، في مسرح شاطئ الراحة في أَبوظبي، نحن المدعوين إِلى متابعة الحلقة الأولى من دورة “أَمير الشعراء” الجديدة، وهي الخامسة، بالأَجواء الجذّابة والمبهرة فيها، وبتعليقاتٍ كثيرةٍ من المحكمين الثلاثة، صلاح فضل وعلي بن تميم وعبد الملك مرتاض، على قصائد أَربعة متنافسين، اختيروا لاستهلال البرنامج بهم، من بين عشرين مشاركاً من عدة دول عربية (أَحدهم من بوركينا فاسو)، ستتواصل الحلقات معهم. استمعنا إِلى القصائد، ومن دون تحيُّزٍ لبلدنا، كانت قصيدة الشاعرة، مناهل العساف، جيدة جداً، بشحنةِ العشق الصوفيّة فيها، وإِذ تفوقت عليها قصيدة شاب عماني حاز على التقييم الأول من لجنة التحكيم، فذلك لا يُلغي تميزاً واضحاً لما قرأَته العساف (قرأتُ لاحقاً أَنها زميلة في رابطة الكتاب؟). ومن مفارقاتٍ لافتة، أَنَّ قصيدة شاعر موريتانيٍّ نالت ملاحظاتٍ من لجنة التحكيم، اعتبرت قاسيةً بعض الشيء، إِلا أَنها حازت نسبةً كبرى في تصويت الجمهور، ما يعني أَنَّ تحشيداً موريتانياً تم له، الأَمر الذي لم تحظ به العساف، ما يمكن تداركه حتى مساء بعد غدٍ الأَربعاء، لتكون لها فرصة التأهل إِلى حلقاتٍ تالية، عساها تحوزُ موقعاً متقدماً تستحقه بين المتنافسين.

شابان أُردنيان آخران يشاركان في موسم “أمير الشعراء” الجديد، هما أَحمد الأَخرس وإِيمان عبد الهادي، والأَمل كبير في أَنْ يُقدّما نصوصاً شعريةً رائقة، تسندُ تصويتاً يكونُ في محله لهم من الأُردنيين وغيرهم، سيما أَنهما، وزميلتهما مناهل العساف، صعدوا مع الشعراء العشرين إِلى منصة شاطئ الراحة في أَبوظبي بعد اختباراتٍ طويلة، اطلعت فيها لجانٌ مختصةٌ على نصوص 300 شاب من 13 دولة تقدّموا للتنافس في المسابقةِ الجماهيرية، الشائقةِ والطريفة وذات الإِفادة في اللغة والأَدب. ونظنها مسابقةً تتوفَّر على معطياتٍ وظواهر غير قليلة، تستحقُّ الدرس من أَهل البحث الثقافي والاجتماعي والنفسي، وربما السياسي، في مجتمعاتنا العربية. وأَدبياً، ثمّة بواكير أُولى لشبانٍ قد يغدو بعضُهم شعراءَ مهمين ومبدعين.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور