صدور مجلةٍ عربيةٍ، ثقافيةٍ فكريةٍ نقديةٍ حرةٍ مستقلة، خبرٌ طيب، يستحقُّ الاحتفاءَ به والفرح له. ولأَن مجلة “دمشق” تتمثل هذه الشمائل، وأُخرى غيرها، فإِنّ تعريف الجمهور العربي، والأُردني في طليعته، بها، يصبحُ ضرورةً، يُضاعف من وجوبِها أَنَّ هذه المجلة تصدرُ في اللحظةِ السوريةِ الراهنة، والتي يسيحُ فيها دم شعبٍ عربي عظيم قدّام عيوننا في أُتون ثورةٍ ملتبسةِ التفاصيل، لكنها واضحةُ الوجهةِ إِلى الخلاص من الاستبداد. و”دمشق” لا تُقدِّم نفسَها يافطةً لأَحد في هذه الثورة، ولا تنحازُ إِلى كل ما فيها كيفما اتفق، بل بنقديةٍ وفحصٍ ودرسٍ، ويصدرُ هذا كله، وغيره، عن تطلعٍ إِلى أُفقِ الحرية ولا شيء غيرها، وإِلى قطيعةٍ مع كل مواريث القهر والقمع والخنق. ونظنُّها وظيفةَ المثقف الأولى أَنْ يكون صوتاً لا يُهادن في المضي إِلى هذا المطرح، وفي الانخراط مع مجتمعِه في الذهابِ إِلى هناك، حيث المعادلة التي تتكاملُ فيها الاستقلالية والحرية، ويتوازى فيها الجمالُ مع العدالة. ولأَن هذا كثير، والنهوضُ به مهمةٌ عويصة، فإنَّ التحدّي الذي تُورِّط فيه مجلة دمشق نفسَها به ثقيل، لكنَّ مقاديرَ غزيرةً من الاطمئنان إِلى أَنَّ هذا المنبر الواعد يعي ذلك تُسوِّغها المضامينُ التي حضرت في العدد الأول، والذي صدر قبل أَزيد من شهرين، وكذا العدد المزدوج، الثاني والثالث، والذي صدر الأسبوع الجاري.
يرأس تحرير “دمشق”، وشعارُها “أَرض الحرية وسماء الخيال”، الشاعر السوري نوري الجراح، والذي يعرفه الوسط الثقافي العربي بحيويَّته وفاعليته النشطة، وبانخراطه، مثقفاً معارضاً مستقلا، في الثورة، الظافرة إِنْ شاءَ الله، في بلاده. وتصدُر المجلة عن “مؤسسة دمشق للدراسات والنشر” في لندن، برعاية مؤسسة “بناة المستقبل” التي يرأَسها المعارض وليد الزعبي، وتتولّى طباعتَها وتوزيعها المؤسسة العربية للدراسات والنشر في عمّان. ومن مستشاري التحرير، صادق جلال العظم وهاني فحص والأب باولو دالوليو وسلامة كيلة وعصام العطار وزهير أَبو شايب. وإِذ يستضيف المركز الثقافي العربي في عمّان، بإدارة الروائي جمال ناجي، مساء غدٍ الثلاثاء، نوري الجراح في ندوةٍ عن المجلة، يتم فيها توزيع العدد الجديد، فهذه مناسبةٌ لنا في الأردن للتعرًّف على منصةٍ ثقافيةٍ وفكريةٍ طموحة، إِنْ كانت سورية الهموم والمذاق، فإنها عربية الوجهة واللون والمزاج، وإنسانيةَ الانحيازات والرهانات الجمالية والإبداعية، ومشروعُها منفتح، والنقد الذاتي للثورة السورية واحدٌ من مشاغلها غير القليلة، ويحضر في عددها الجديد. ويلحظ قارئ نصوصِها وموادّها نضجاً ظاهراً في التنوع والمضامين والسجالات والاشتباكات، وفي الالتفاتِ إِلى البصريِّ والشعريِّ والسرديِّ، متكاملاً مع الفكريِّ والتحليلي.
إِبراهيم نصر الله وماجد كيالي وسلامة كيلة ومحمود الريماوي وزياد ماجد وصبحي حديدي وفرج بيرقدار وغسان زقطان والطاهر لبيب وغازي دحمان وتيسير خلف وسعد القرش وبرهان غليون.. بعضُ مثقفين عرب كثيرين ساهموا في نشر مشاركاتِهم الفكرية والأدبية والسردية والتأملية والسجالية في “دمشق”. والرغبةُ كبيرة لدى القائمين على المجلة، ذات المشروع الوطني الديمقراطي في سوريا، المرتبط بفلسطين قضيةً عربيةً أولى، أَنْ يتواصل معها المثقفون والكتاب في الأردن وعموم البلدان العربية، من أَجل أَنْ تكون مساحةً حرةً لأَفكارهم، المهجوسة بالتنوير والجمال، والتخلص من عفونة الدكتاتوريات العربية القاتلة، وفي مقدمتها الماكثة في سوريا منذ عقود، والتي تصيح بشأنها الممثلة، مي سكاف، في مجلة دمشق قائلة: عارٌ علينا أَنْ يبقى هذا النظام.. عارٌ على كل سوري.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور