حيويّةٌ محمودةٌ، وروحٌ متجددة، تحضران في أَداء مؤسسة الأَزهر الشريف، منذ الشهور الأولى للثورة المصرية، ما يعود في بعض أَسبابه إِلى شخص شيخ الأَزهر، الدكتور أَحمد الطيب، والذي، يُلمحُ في قسماتِه لطفٌ وهدوء كثيران، ويُدلّل في أَثنائهما على يقظةٍ مؤكدةٍ بشأن قضايا الأُمة وهمومها. وكانت لنا، حضور المنتدى الإعلامي العربي في دورته الجديدة في دبي، فرصة مهمة للاستماع إِلى فضيلته في الافتتاح، وكانت كلمته الرئيسة، جاء فيها على غير مسألة وشأنٍ في حال الأمة الراهن. ومن طيِّبِ ما التفتت إليه، في الإعلام العربي، برامج “فوضى الفتاوى الشاذة والجدال في الدين، بغير علمٍ ولا هديٍ ولا كتابٍ منير”. وقد وصف شيخ الأَزهر هذه الفوضى بأَنها “آفةٌ كبرى”، ورأَى أَنَّ هذا التشويه الذي ينال من الإسلام وشريعته في الداخل بتأثيرٍ من عدم المعرفة والفهم الصحيح للدين وعلومه هو “قرينُ التشويه الذي ينال من هذا الدين الحنيف في الخارج، بتأثيرٍ من الموقف العدائي الموروث في الثقافة الغربية تجاه الإسلام”.

وإِذ في البال أَنه في غضون التنازع السياسي الحادّ في مصر، وتشوّش الرؤى في أَثناء هذا التنازع، والذي يكاد يذهبُ في هذا البلد المركزيِّ في الأمة الإسلامية إِلى ما هو مقلق، بادر الأَزهر إِلى دورٍ وفاقيٍّ عظيم، وإِلى صياغةِ وثائق جامعة، تصلح أَرضيات تفاهمٍ تحمي مصر من التورط في الخلافات العبثية، إِذ في البال هذا الدور المهم الذي قام به الأَزهر ويواصله، فإنه ما كان ليصير لولا تلك الروح المستجدّة في هذه المؤسسة الدينية العتيدة، والتي ليست لمصر وحدَها، بل لأمة المسلمين جميعاً، ولولا أَيضاً أَن رجلاً جليلاً، وعالماً مدركاً لدور الأَزهر، يتولى أَمر هذه المؤسسة، اسمُه الدكتور أَحمد الطيب، والذي أَصاب نادي الصحافة في دبي كثيراً في اختياره لكلمة الافتتاح الرئيسية للمنتدى الإعلامي. وكان مهماً فيها أَنها شدَّدت على حماية أَهل الإعلام العرب اللغة العربية مما تتعرَّض له من امتهانٍ وازدراءٍ من أَهلها وناسها، في اغترابٍ وهوانٍ، لا أَشدّ ولا أَقسى، بتعبير شيخ الأزهر محقاً.

وكان مهماً أَنْ يسمع حشد العاملين في الإعلام العربي الدكتور أَحمد الطيب، في كلمته امامهم، دعوتَه لهم إِلى “ممارسة حرية الكلمة وحرية التعبير في كل رأي وفكر وإِبداع”، وفي الوقت نفسه، مع احترام أَمانة الكلمة وعفّة اللسان وحسن النيات وعدم المساس بالآخرين. ونظنُّه الشعور الواجب بالمسؤولية لدى الكاتب والصحافي تجاه مجتمعه هو ما يُحدّد المسافة بين حرية الرأي والتعسّف في استهداف الآخرين بما ليس فيهم، والتجرؤ على قيم السلوك الإنساني والاجتماعي البديهية. ولعلَّ الأزهر في وثيقةٍ عن الفن والإبداع الأدبي، والتي أَشهرها قبل أَكثر من عام، قدَّم أُطروحةً متقدمةً في حماية حريات الفنون والآداب، وصونِ هذه الحريات من الزلل في التعدّي على الأديان والعقائد والقيم الأخلاقية والأَعراق. وبدت تلك الوثيقة شديدةَ الأهمية من مؤسسةٍ دينيةٍ، طالما رُميت بغير ما فيها، كما وثائق أُخرى أَصدرها الأَزهر بشأن مستقبل مصر وراهنِها، وكلها تكاملت مع لقاءاتٍ نشطَ الأَزهر وعلماؤه في عقدِها مع مثقفين وفنانين وسياسيين وقوى مدنية في مصر، بعيداً عن أَيِّ انحيازٍ إلى أَيِّ خيار سياسيٍّ أَو يافطةٍ حزبية، في استقلاليةٍ تجعله عصّياً على تأثيرات هذه الجهة أو تلك، كما يتبدّى مؤكداً في صوت الدكتور أحمد الطيب، أطال الله تعالى عمره.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور