لا تعيينَ في رواية الكاتب والإعلامي، فيصل الشبول، “خبز وخوف”، للبلد العربي الذي تجري وقائعُها فيه، ولا إِشارةَ في العمل تدلُّ قارئَ الروايةِ على هذا البلد، فالأَمكنةَ والمدن غير مسماة، غير أَنَّ هذا القارئ سيرى في هذا الأَمر تعييناً لبلاد عربية غير قليلة، ولحالٍ (قومي؟
) شائع. ثمّة حكومةٌ وبرلمانٌ مزوَّر وفسادٌ كثيرٌ ومخابراتٌ نافذةٌ في السلطة والقضاء والأَمن والإدارة ودوائر المال والأَعمال. يبدو صديقنا فيصل الشبول في عمله الروائي الأَول (هل من ثانٍ تالياً؟)، مهجوساً بالتعبير عن ذلك كله، بسردٍ يتَّصفُ ببساطةٍ ظاهرةٍ، وبقصٍّ أُفقيٍّ لا يعمدُ، في أَثنائه، إِلى تجريب أَيِّ صيغٍ فنيةٍ أَو أُسلوبيةٍ أَو بنائيةٍ تكسر هذا الخطَّ القصصيَّ الذي يمضي، في حكايته، إِلى تظهير مسار الأَحداث وتناميها وصلتها بسياقاتها العامة، من خلال قصةٍ مركزيةٍ، تتمثل في حياة مستشار قانونيٍّ في شركة، اسمه عمر سعيد، وأُسرته، واشتباكه مع دواليب الفساد في البلد، حيث تُدبَّر له قضايا التورط في تنظيم إِسلاميٍّ متشدد، فيما المسأَلةُ أَنه يرفض التوقيع على معاملةِ تمرير صفقةِ إِدخال موادّ غذائيةٍ، منتهية الصلاحية. يمكثُ الرجل في السجن سنوات، ثم يواصل حياته، ولاحقاً، يصطدم بقضيةٍ من نوع آخر، يُراد أَنْ يلبسها، يُنقذُه تعاون ولده مع المخابرات، والتي تمكَّن هذا الشاب من النجاح في ترشحه في انتخابات مجلس النواب، وفي تصعيدِه اجتماعياً ومهنياً.
لا يحسنُ هنا إِيجاز الرواية وتفاصيلها، والتي لم تتجاوز 120 صفحة، وتنتهي بما يوحي باحتفائِها ببدءِ ثورات الربيع العربي وأَجوائه المستجدّة في بلد عمر سعيد، وكافح ومات فيه، وصار له فيه ابنُه الذي هاجر إِلى ألمانيا من فرطِ فسادٍ كثيف، وضغوطٍ ثقيلةٍ عليه، بعد سنواتٍ من النجاح الاجتماعيِّ والعائليِّ والمالي، وهو النائبُ السابق في البرلمان. هناك يتآلفُ في مجتمعٍ جديد، ثم تُحفِّزه أَنفاسُ الربيع العربي على العودة إِلى بلدِه، وهو الذي كان يسأَل عمّا يفعله أَربعمائة مليون عربي، ولماذا تقتل أُمتنا الأَمل في نفوس أَبنائها. يرى أَملاً استجدَّ وطرأ، فنوى العودة، غير أَن ابنه، عمر، يخبره أَنه فتح عينيه على وطنٍ اسمه أَلمانيا، وليس مضطراًلأَن يكون في وطنٍ آخر.
تنجح “خبز وخوف” في تصوير اختلاف أَمزجة ثلاثةِ أَجيال، (في بلدٍ عربيٍّ ما)، وميولِها وقناعاتها وطرائق تدبيرها حياتها، بتكثيفٍ شديد، فلا حشوَ في هذا العمل السرديِّ، التقليديّ المبنى،والذي فاجأنا به فيصل الشبول، وهو صاحبُ خبرةٍفي ملاحقةِ الأَخبار والوقائع والحوادث، وحكّاءٌ شائقٌ على ما يعرف أَصدقاؤه. وعلى ما يقول، فإِنَّ الخوف والخبز ثنائية الألم العربي منذ عقود، ولعلَّ قناعتَه هذه جعلته يختار الثنائية هذه اسماً لروايته التي احتاجت اشتغالاً أَكثر على دواخل شخصياتها وجوارحها ومشاعرها وقلقها، فقد استغرقت في الحكيِ عن قناعاتها وخياراتها وشؤونها، بكيفيةٍ اعتنت بالخارجيِّ أَكثر من الداخلي والجُوّاني. ولعلَّ هذا الأَمر ما ورَّط العمل في وعظيةٍ ومباشرةٍ في مطارح فيها، سيّما المقاطع الحوارية فيها، غير أَنَّ النجاح الأَهم في “خبز وخوف” ظلَّ في قدرتها على سيولةِ السرد فيها، فجاءَت مشوقةً، وجرئيةً، وصادمة. وتُحقق لنفسها موقعاً طيباً في المدوَّنة الروائية الأُردنية، من حيث التعبير الحادّ فيها عن تغوّل السلطةِ الأَمنية، وعن وطأة فسادٍ خفيِّ، من دون إِحالةٍ إلى فضاءٍ مكانيٍّ محدد، انحيازاً إِلى الإيحاء، وما الأَدب إلا إيحاءٌ وجمال.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور
login |