للمرة الثالثة، تُقرأ في الكنيست مقاطعُ من قصيدة محمود درويش “عابرون في كلام عابر”. الأولى لما نشرها الشاعر الراحل في 1987، وهاج رئيس الوزراء الإسرائيلي في حينه، إسحق شامير، وزعم في البرلمان المذكور أَنَّ درويش يُحرّض فيها على رمي الإسرائيليين في البحر. وتأَكد،تالياً، أَنَّ القصيدة أَغضبت عامّة الإسرائيليين وخاصّتهم، واستهجنتها نخبٌ منهم ناشطةٌ في الدعوةِ إِلى السلام وإِعطاء الفلسطينيين حقوقهم. ولأَنه يعرف وقعَ “عابرون في كلام عابر” على العقل الإسرائيلي الصهيوني، خاطبَ النائب الفلسطيني في الكنيست، أَحمد الطيبي، فاشيين في الكنيست نفسه، قبل أَربعة أَعوام، بالقصيدة التي تدعو الإسرائيليين، باعتبارهم مجرد عابرين، أَنْ يأخذوا أَسماءهم ويرحلوا، وينصرفوا عن فلسطين وملحها، وعن دم أَهلها، وذلك لمّا أَراد وزير مأفون شطب الأسماء العربية من على جميع اللافتات، واستبدالها بالعبرية. كان الطيبي، في رميه ذلك الوزير وأمثاله بقصيدة درويش،يُذكّرهم بحقيقة أَنَّ عروبة فلسطين لا يشطبُها يهوديٌّ غازٍ من ليتوانيا أَو بودابست.
وفي وقفةٍ جديدة له، رمى الطيبي، الأسبوع الماضي، في وجوه الفاشيين في الكنيست الذين جهر باحتقاره لهم مشروع قانونٍ لمصادرة أَراضي بدوٍ فلسطينيين في بئر السبع، وطلب منهم أَنْ “يبلوه ويشربوا ماءَه”. وذكَّرهم بأَنهم “عابرون في كلام عابر”، وأَزعج مسامعهم بمقاطع من صيحة محمود درويش غير المنسية.
شواهدُ غير قليلة تؤشر إِلى أَنَّ هذه القصيدة تُوتر الإسرائيليين، وتفضح تأزماً عميقاً في تكوينهم النفسي، فلقد انشغلوا بها كثيراً وما زالوا. ومن ذلك أَن الوزير السابق، يوسي ساريد، قال في افتتاح مؤسسة محمود درويش للإبداع في كفر ياسيف، إِنَّ الشاعر الراحل أَبلغه ندمه من كتابته “عابرون في كلام عابر” وتبرؤه منها، لأَنه كتبها في لحظة غضب. واستدلَّ ساريد، وهو من اليسار الإسرائيلي، واقترح، مرة في الكنيست، تدريس قصيدتين لدرويش اختيارياً في مناهج التعليم الإسرائيلية، استدلَّ على كلامه بأَنَّ درويش لم يضم هذه القصيدة في أَيٍّ من دواوينه. والشديد الوضوح أَنَّ محمود درويش لم يكن معتداً بقصيدته هذه، ورآها كتابةً غاضبةً جداً لم تراعَ فيها جمالياتٌ أَدبية، على ما قال في 1996، وأَوضح أَنها كانت حجراً يضرب إسرائيل، عندما رأى تكسير عظام شعبه في الانتفاضة.
وتعود حكاية أَنه لم يدرجها في ديوان إلى أَنه اعتبرها صيحة غاضبة، وليست قصيدة، لكنها كانت عنوان كتابه “عابرون في كلام عابر”، والذي صدر عن دار توبقال المغربية في 1991، ضمّها ومقالات أُخرى.
ولافتٌ أَن درويش نشر تلك القصيدة/الصيحة في دورية “اليوم السابع” التي كان ينشر فيها مقالاً أُسبوعياً، وليس في مجلته “الكرمل” التي كان يخصُّها بجديد قصائده. ونظنه تحريفاً ما قاله ساريد، إِذ هي الاعتباراتُ الجمالية والفنية هي التي كانت لا تجعل درويش لا يتحمس لبعض نصوصه الشعرية، وهو الذي حذف أَول دواوينه “عصافير بلا أجنحة” من قائمة كتبه، وهو الذي، على الرغم من قلة احتفاله ب “عابرون في كلام عابر”، إِلا أَنه قرأها في أُمسياتٍ في الرباط وعمان وغيرهما. وللشاعر الكبير أَنْ ينقد شعره كما يشاء، ولأَهل الأدب أَن يبحثوا في حضور جمالياتٍ بديعةٍ أو غيابها في نص له هنا أَو هناك. لكن، للطيبي تحياتٌ غزيرة لأنه يستطيب أَنْ يوجع الصهاينة بأَنهم “عابرون في كلام عابر”، وهم المستوردون، فيما بدو فلسطين من ملحها وهوائها.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور