بعد احتراق مدينتي هيروشيما وناجازاجي بأول قنبلتين ذريتين تلقيان على البشر في التاريخ. استسلمت اليابان إلى أمريكا ، حفاظا على أرواح أبنائها الذين برعوا في القتال الانتحاري وعلموه للناس في مطلع القرن العشرين.
طلب الجنرال ماك أرثر (المنتصر) من إمبراطور اليابان أن يقابله في الجانب الآخر من مدينة طوكيو إمعانا في الإذلال. أراد الإمبراطور أن يراه اكبر عدد من شعبه وهو متوجه للاستسلام. سار على قدميه من القصر الإمبراطوري إلى مقر قيادة الجنرال ماك آرثر. وهو في عرف اليابانيين الميكادو إله الشمس والحاكم الأعلى الذي تنحني له الرؤوس قبل تلقي الأوامر وبعدها. اصطف عشرات الآلاف من سكان طوكيو على طريق الإمبراطور المهزوم يؤازرونه بالانحناء الصامت ، وبين كل مرحلة من خطوات الميكادو ومرحلة أخرى ، يتقدم احد الرجال ويشق بطنه بالسيف انتحارا ، وهو تقليد لفرسان الساموراي اليابانيين ، يعاقبون به أنفسهم لأنهم عجزوا عن حماية وطنهم وسيدهم أو تنفيذ أوامره. كان الأمر (كما وصفه احد الصحفيين لاحقا) شبيها بنحر الجمال والخراف على طريق ملك أو رئيس عربي يزور الأرياف والبوادي في بلده.. لم يصرخ اليابانيون يلومون إمبراطورهم وجيشه على الاستسلام.. لم يحملوا لافتات التنديد بالخيانة. ولم يصدروا البيانات السرية متهمين قائد الجيش ورئيس الوزراء ووزير الحربية بالخيانة والاستسلام والانهزام او بيع الوطن.. إلى آخر ما في القاموس من مفردات.. وقفوا يؤازرون إمبراطورهم في الهزيمة كما آزروه في النصر على الأمريكيين في معركة بيرل هاربر. وهي اكبر من معركة الكرامة بأضعاف مضاعفة.
وقف الإمبراطور أمام الجنرال ماك ارثر الذي تلا شروط الاستسلام بصوت عال يطلب إجابة المهزوم بعد كل فقرة. ولم تكن إجابة اله الشمس إلا كلمة واحدة هي (سادوسكا) اهكذا؟ كانت لحوم اليابانيين لم تزل تحترق في هيروشيما وناجازاكي.. وكانت عمليات الإسعاف شاقة وصعبة بسبب الإشعاع الذري.. وماك ارثر يصرخ بشروط الاستسلام والإمبراطور يردد سادوسكا.. خلال عامين من الهزيمة أو النكسة تحّول الجيش المهزوم إلى خليط من السمكرية والصنّاع والمهندسين.. بدأوا بالسيارات والترانزستور ولم يتوقفوا حتى وصل الأمر بوزير الخزانة الأمريكي أن يرجوهم لمساعدة الدولار على النهوض من كبواته المستمرة. وبدأ الأمريكيون وحلفاؤهم إقامة طقوس استقبال خاصة للصناعيين اليابانيين عندما يزورون الغرب.
في كل عام يتذكر اليابانيون مجازر هيروشيما وناجازاكي بحزن صامت ، ترتفع بعض الأصوات مذكرة بالأجيال التي ولدت (مشوهة) بعد المجزرة بحوالي ستين عاما.. ثم ينخرطون في تيار الحياة الصاخب.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور