سبعة اعوام من السعي لتتبع جذور الحياة الشعبية الفلسطينية.. حكايات عمرها الاف السنين تناقلتها الاجيال.. قبل ان تندثر بقيتها بادر كل من د. شريف كناعنه أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في جامعة بير زيت (فلسطين) ود. إبراهيم مهوّي استاذ الأدب العربي المعاصر ونظرية الترجمة في جامعة إدنبرة (سكوتلندا) الى جمع خمس واربعين حكاية من افواه الرواة باللهجة الشعبية الفلسطينية ، صدرت في كتاب بعنوان (قول يا طير). ترجم للانجليزية وصدرت طبعته الاولى عام 1989 والفرنسية عام ,1997 فلسطين حصلت قبل عامين على جائزة التراث الشفوي على مستوى العالم كله عبر هذا الكتاب بالذات الذي جعل "اليونسكو" تعتبر أن المحافظة على التراث الفلسطيني هو من مهمة شعوب العالم قاطبة. ودفعت أهم دور النشر العالمية التابعة لجامعة "بيركلي" لاصداره وتوزيعه ، وحفزت دول ومؤسسات عالمية على ترجمته إلى خمس لغات حتى الآن. ويستخدم الكتاب لتدريس مساقات على مستوى الماجستير والدكتوراة في جامعة هارفارد العريقة.
في علم الفولكلور تعتبر الفنون الشعبية جزءا من الهوية القومية لكل مجتمع او امة من الامم.. وهي دلالة على ثقافة وعادات وتقاليد الناس الذين يعيشون على ارضهم منذ زمن طويل. لان الجماعات المهاجرة او المهجرة تتأثر بثقافات وعادات وتقاليد المهجر.. قول يا طير في خطاب موجه للغرب اصدق دلالة على اصالة الفلسطيني في فلسطين مقابل الدعاية المركزة وغسيل الدماغ الذي تعرض له الغربيون على يد الاسرائيليين الجدد خلال سبعين عاما من التكرار ان فلسطين ارض بلا سكان.
في سلوفاكيا لا يتخرج الطالب من الثانوية الا اذا دوّن حكايتين شعبيتين من مجتمعه معتمدا على اكثر من مصدر لكل حكاية لتأكيد وجودها.
ذات حين تعرّض كتاب (قول يا طير) إلى هجمة شرسة وصلت حد المصادرة في غزة.. لأنه يحتوي على قصص أصيلة بعضها يتعرض لحالات الحب في المجتمع العربي القديم حسب ورودها من أفواه الرواة المتبحر بالعلم الذي قرر اعدام كتاب من التراث الفلسطيني لم يقرأ او هو لا يريد ان يقرأ عشرات الوثائق والمدونات المرويّة باسناد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده. وهي بنصوصها الواضحة ربما تخدش حياء جاهل مثله. اقول جاهل واضيف لها متزمّت لانه يأخذ من الكتاب والسنّة وحديث السلف الصالح ما يروق لتعصّبه. وانا احيله الى حديث ام المؤمنين عائشة بنت ابي بكر والى محاكمة المغيرة بن شعبة وابي بكر امام الخليفة عمر بن الخطاب رضوان الله عليه.. لا اريد ان اعلق على محاولات مماثلة في أطراف العالم العربي والإسلامي.. فهذه حالات عابرة لا تصمد امام تيار الحياة المتدفق.. ولكني لا استطيع ان ابعد عن ذاكرتي محاكمة المدرس الامريكي الذي شرح لطلابه نظرية النشوء والارتقاء لداروين قبل حوالي مائة عام.. او المتعصّب الذي ضرب تمثال بوذا بالمدافع في افغانستان لانه صنم بنظر المتبحرين بالعلم هناك.. كما اني لم اجد خبرا عن هدم تمثال او تخريب اثر فني من اثار الرومان والانباط والاقباط والاغريق والهندوس والسيخ والبوذيين على يد الفاتحين المسلمين ، بما في ذلك تمثال بوذا الذي ضرب بالمدفع. هدمت الاصنام لان الجاهليين كانوا يعبدونها. ولم يهدم تمثال او ابداع فني وبقيت رسومات السيدة العذراء وسيدنا المسيح كما هي في الكنائس.. استمر عرض كتاب الف ليلة وليلة في دور الكتب مئات السنين.. وقرأه الرواة في المقاهي والمجالس طوال سنوات ما قبل الراديو والتلفزيون.. في التسعينات من القرن الماضي اكتشف احدهم في مصر ان الكتاب يخدش الحياء فتقرر سحبه من السوق واعدامه.. عندما اقرأ الاية الكريمة (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون) اسبّح باسمه عز وجل وانا ارى الجيل الحديث يمارس الحياة اليومية بكل جديدها ويقطع عمله لدقائق يؤدي فيهن صلاته.. في مسجد واحد بشيكاغو في الولايات المتحدة يقيم الامام صلاة الجمعة مرتين بسبب كثرة المصلين وذات عيد رمضان حضر الصلاة اكثر من مائة الف مصل استأجرت لهم الجالية الاسلامية فندقين مجاورين وصلى بهم الامام صلاتين على دفعتين. اقول في شيكاغو وليس في الأرض القابضة على حفنة من الجمر ولا ينقصها الا اعدام تراثها.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور