أنتجت حروب العراق الأولى والثانية والثالثة والرابعة عشرات الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية من مطحنة هوليوود التي لا تتوقف.. بعضها لنجوم من الدرجة الأولى لا تقل تكلفة الفيلم الواحد عن خمسة عشر مليون دينار وزادت التكلفة في الأفلام التي صوّرت على أرض الحدث في العراق والكويت والسعوديّة والأردن ، وهو إنتاج ضخم يوازي ما انتج عن الحرب العالميّة الثانية بالأسود والأبيض مع الفارق في تطوّر التقنيات وسهولة المواصلات.

القسم الأول من هذا الإنتاج حظي بدعم إدارة بوش الأب وبوش الابن ضمن حملة الخداع الإعلامي للشعب الأمريكي وغيره لإيجاد المبررات لتلك الحروب ، معروف جدا ان الجيش الأمريكي يساهم في إنتاج الأفلام التي تمجّد عملياته فهو يقدم الملابس والاليات والطائرات الحربيّة وسفن الأسطول الى الشركة المنتجة مجانا. ولا نعرف إذا كان يموّل بعض هذة الأفلام بالكامل. القسم الثاني هو محاكاة وتأثر السينما بالأخبار التي تضخ في عقل المواطن الأمريكي وجزء منها مختار بعناية وباتفاق بين البيت الأبيض ووزارة الدفاع مع شركات البث التلفزيوني الكبرى والصغرى.. كما هو الإنتاج القديم وموقف السينما من العربي على مر العصور. يبدو الجندي العربي عدوانيّا وغبيّا ومثله رجال الشرطة والمخابرات العربيّة الذين يساعدون الأمريكان على القتال ومحاربة الإرهاب. نجم أمريكي أسود يلبس القفازات لإخراج ورقة أوامر وتعليمات من مؤخرة جندي عراقي والحوار المصاحب للقطة يصف العربي بأقذع الأوصاف. مجموعة من الضباط والجنود الأمريكان ينطلقون داخل المدن العراقيّة بأسلحة خفيفة يقتلون ولا يصابون بأي خدش حتى يصلوا مبتغاهم لتحرير رهائن وهميّين وسط إحدى المدن. امرأة وثلاثة رجال من المباحث الفدرالية يتتبعون ارهابيين في السعودية ويقبضون عليهم.. بعض الأفلام تميزت بحبكة دراميّة وحشود من حاملات الطائرات والاليات وبقي العربي فيها ذلك الغبي الذي يرمي طلقتين ويهرب.. أغلب هذة الأفلام وصّلت المشاهد العربي مع الترجمة عبر أكثر من فضائيّة عربيّة بعد حذف المشاهد الجنسيّة التي بدأت تغزو السينما الأمريكيّة. والعبث بترجمة الحوار الذي يدور على ألسنة الممثلين.

في الجانب المقابل استدارت الدراما العربيّة نحو التاريخ تحاول استحضار رموز وطنيّة من عصور مختلفة كان الحكواتي العربي قد سبق شركات انتاجنا بمئات السنين في استحضارها وتلميع صورتها للسامعين بدعم من الخليفة أو السلطان في زمن الهزائم والانكسارات الذي لا ينتهي.. قضيّة الإرهاب وحدها أخذت حيزا موسميّا في الدراما العربيّة.. ربما بضوء أخضر أو طلب ملح من دوائر الداخليّة والخارجيّة والمخابرات والشرطة.. ظهرت هذه المسلسلات مثل برنامج تثقيفي للعناية بالأسرة والأم الحامل وانحسرت عن الشاشة مثل مشروع دعاية لمنتج تجاري يروّج لبياض الأسنان ومشروب معلّب يجعل الإنسان يطير فوق السحاب.

من ناحية أخرى تسوّدت مليارات الصفحات في الجرائد والمجلات والكتب وحجزت مئات الساعات للمتحدثين عن تلك الحروب. بعض المتحدثين جاؤوا بالطائرات ونزلوا فنادق خمس نجوم وقبضوا مكافآت على التحليل والتعليق.. تقدر نفقات الكلام على الورق وعبر الفضائيات بموازنة عشرين فيلما سينمائيا وعشرين مسلسلا تلفزيونيا تنتج بحرفيّة تعيد للمشاهد العربي التوازن المائل في تفكيره.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور