ابتليت البشرية منذ مطلع القرن العشرين بحروب التقسيم.. شمال وجنوب.. غرب وشرق. كما هو الحال في فيتنام وكوريا وألمانيا (قبل إزالة جدار برلين). فرخت الحرب الباردة انقساما في العلاقات والشعوب بين شيوعية ورأسمالية وكانت إسرائيل ولم تزل هي الرائدة في هذا التقسيم البغيض الذي شطر القرى والبلدات الفلسطينية إلى قسمين يفصل بينهما ذلك الحاجز الرهيب الذي شتت شمل الأسرة وجعل الأخ يرقب أخاه عبر الأسلاك الشائكة. والأم ترقب ابنها كلما خرج وعاد من عمله في الجانب الآخر من الحدود.. قسمت بيت صفافا إلى قسمين ولحقت بها برطعة التي أصبح مجرى الماء من النبع حدودا فاصلة بين الأسر والعائلات. ولم تزل العروس الدرزية تجتاز الحدود في الجولان وحيدة بعد أن توقفت العائلة والمحتفلون قبل الحاجز وقد تحولت أغانيهم إلى مراثي حفظتها اللطّامات على مر الأربعين سنة الماضية من الاحتلال.
الآن وبعد بناء الجدار العازل في فلسطين المحتلة. جاء الدور على قرية الغجر على الحدود اللبنانية مع الوطن المحتل. قررت الدولة اليهودية الانسحاب من القسم الشمالي للغجر وتسليمها للقوات الدولية في جنوب لبنان ومن ثم إقامة الجدار إياه وسط القرية التي بدأت تجهز للإضراب الشامل والاحتجاج على فصل الأخ عن أخيه والجار عن جاره. لتغدو الزيارة محرمة على جانبي القرية. ويصبح كل السكان مشبوهين بالتجسس لصالح الجانب الآخر. تعيش الاسرة في جانب وترقب أرضها ومصدر رزقها في الجانب الآخر ولا تستطيع الوصول إليها للزراعة أو جني المحصول. وقد سبق الغجر في الاحتجاج عشرات المسيرات والمظاهرات والإضرابات في فلسطين دونما فائدة.
الغريب أن فكرة تقسيم قرية الغجر جاءت من قائد القوات الدولية العاملة في جنوب لبنان (يونفيل) الجنرال كلاوديو غراتسيانو الذي أعلن أكثر من مرة أن السلام الدائم ممكن في جنوب لبنان. لم يتورع المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية في إسرائيل ( الكابينيت) عن التقاط الفكرة من قائد اليونفيل والموافقة على توصيته بتقسيم قرية الغجر إلى حارة لبنانية وحارة إسرائيلية. فالأمم المتحدة ممثلة بقائد اليونيفيل قررت مصير البشر حسب الخريطة دون مراعاة لحقوق الإنسان على الجانبين.
ترى ماذا سيقول الجنرال غراتسيانو لو أن التقسيم الذي طال الغجر جرى فرضه على بلدة ايطالية أو بلدة فرنسية ساقها الحظ العاثر لتقسم نصفين بين دولتين عدوتين؟؟ هل سيصرح حينها أن السلام الدائم ممكن؟ لا اعتقد أن الجنرال سيكتفي بالاحتجاج والتظاهر. سيحمل بندقيته ويبدأ إطلاق النار.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور