بعد هزيمتنا في حرب 1967 ظهر طيف السيدة مريم العذراء (في خيال الناس) على مباني كنيسة الزيتون في القاهرة. تقاطر المسلمون والمسيحيون من كل صوب لمشاهدة المعجزة. غصت بهم الشوارع وأسطح المنازل وأحدثوا ارباكا في أزمة المرور وآخر في عقل السلطة المهزومة التي تلعق جراحها وتحاول تسوية أوضاع الحكم بعد انتحار قائد الجيش الذي حاول الانشقاق على رئيس الجمهورية الذي تراجع عن استقالته بطلب من الجماهير المهزومة معه.

هذه الأيام وفي خيال الناس اياهم ، ظهرت ستنا مريم فوق كنيسة بمنطقة الورّاق في الجيزة. احتشد آلاف البسطاء لالتماس البركة وتنازع الأقباط الأرثوذكس (أتباع الكنيسة التي شرّفتها العذراء بالزيارة) مع الأقباط الانجيليين الذين يعتبرون مريم بشرا مثل كل النساء في الدنيا ولا تحظى بأي قداسة الاّ انها والدة السيد المسيح عليه السلام.

أحد الناشطين السياسيين عزا ظاهرة تصديق الاشاعة الى غياب المشاركة السياسيّة والديمقراطيّة ولخّص الأمر بقولة (عندما تغلق الأرض تنفتح السماء). بعد اعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين ظهرت اشاعة مصنوعة.. اعتمد صانعوها على رسوخ الغيبيات في وجدان الناس.. مؤكدين أن صورة صدام حسين ظهرت على صفحة القمر حينما كان بدرا في ليلة من ليالي بغداد.. تأتي ظاهرة الايمان بالغيبيات والبحث عنها في زمن الهزائم والانكسارات والجوع والأوبئه.

ففي الأحاديث الموضوعة بغير سند وفي كتب مؤرخي السلاطين والولاة عشرات الأمثلة على ظهور العظماء في ليالي بغداد ودمشق والقاهرة عائدين من قبورهم لاصلاح الخراب الذي أحدثه خلفاؤهم. وهناك أكثر من مائة خبر عن زيارات أولئك البشر (في المنام) علماء ومفكرين وخلفاء وحكاما وعسكرا يوبخونهم على سجن رجل او جلد آخر أو تقاعسهم عن حماية البلاد من عدو احتل نصفها ويجهز لاحتلال النصف الآخر.

بقي الطوطم والأبطال الخارقون في الغيبيات (أنبياء ، أولياء) ظاهرة في الوجدان الشرقي حتى يومنا هذا.. بينما اختفت من العالم الغربي لأسباب أقلها الثورة الصناعيّة والعلوم والاختراعات الحديثة.. وأعظمها حالة الديمقراطيّة والاستقرار السياسي رغم ايمان بعض زعماء الغرب بالعرّافين والمتنبئين في بعض الأحيان.. لا شك ان ايمان بعض شعوبنا بالغيبيات والهروب اليها هو هروب من الواقع وبحث غيبي لحلول تخلّصها من الكوارث والأزمات التي تواجهها كل يوم.. لا شك أن أبواب السماء لا تفتح على يد الراقدين في قبورهم.. بل على يد الأحياء الذين وهبهم الله سبحانة وتعالى ملكة العقل والابداع في جميع مناحي حياتهم.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور