ينتسب هذا الوطن للجيش قبل أي مؤسسة اخرى في الدولة.. واول المجندين هم ملوك وامراء الاسرة الهاشمية الشريفة.. وقد جاء اولهم الى مؤسسة العرش من جيش الثورة العربية الكبرى.

واذا كان الجنود الاوائل يعانون من البعد عن الدار والعائلة فإن المعاناة لحقت بأنجال الشريف الحسين بن علي الأربعة خلال عامين من عمليات الثورة العربية بين الحجاز وشمال سوريا.. فقد اصدر الشريف امرا للمساواة بين الضباط والجنود المغاربة والمشارقة في جيش الثورة وبين اولاده الذين حملوا البندقيّة في اول الصفوف ومنعهم من زيارة مكة وجده حيث تقيم عائلاتهم.. وفي ذهنه بعد المزار على العراقي والمصري والشامي والمغربي الذي تغرّب عن زوجه واولاده.

وبلغت الحدة في تطبيق الأمر ان فيصل اصيب بالحمى وهو يقاتل في الوجه ورابغ واصر الملك ان يعالج في مكانه مثل بقية الضباط والجنود والمتطوعة.. ولم يشاهدوا عائلاتهم خلال عامين من القتال.. قدمت الجندية الاردنية اكثر من شاعر في صفوفها.. البعض نظموا الشعر بالفصحى والكثير جاشت نفسه بإبداع الشعر الشعبي الذي لم يدوّن اغلبه مثل الكثير من المرويّات التي تناقلتها الأجيال.

مثل حالة المئات من الأردنيين انفك الوكيل المتقاعد احمد سليم الفلّيح الزيود من الدراسة في الصف الثاني الثانوي بسبب ضيق ذات يد والده.. تحزّم بالقايش في مركز تدريب الأغرار وشد الطماقات في سلاح المدفعيّة ، كما يروي في مذكراته المخطوطة ، ببساطة الحديث في شق بيت الشعر او مضافة اردنية جمعت امسيتها حرّاثين وعمالا ورعاة بعد يوم عمل طويل.. منذ عام 1958 حيث لبس وكلمة لبس في عرف الأردنيين القدماء تعني تجنّد في الجيش وارتدى لباسه المتميّز.. وحتى تقاعده في السبعينات من القرن الماضي يروي الجندي الشاعر احمد السليم ذكريات الاغنام والزراعة والحرب مع اسماء اعلام من الرجال على افق السياسة والجنديّة في المملكة وشهداء قضوا في سبيل الوطن.. وطرائف يتبادلها المقاتلون وهم يطفئون نيران النابالم في الخنادق.

بالإضافة الى اشعاره التي قال بعضها بين مربض المدفع وخندق الطعام حيث نشبت لقمة الخبز في حلقه عندما استشهد زميله محمد المومني بين الخان الأحمر والعيزريّة شرقي القدس: "لهم الذرى دون العباد مساكنا.. وتاركين السهل للقائلين الكلاما" وهو يصف بعض المعارك التي خاضها (الكرامة) محددا جغرافيّة المكان كحال عشرات الشعراء الذين وثّقوا الوقائع الأردنيّة.

ومدافع في يرقا تعطّشت للقائهم وضباط رصد يدققون النار واما مشاة الجيش فعقلوا اقدامهم وتسلّحوا بما تسلّح به عمار فهو يصف حال العربي بشعره الشعبي ، وصفا اقرب الى اليأس منه الى التمرد الذي نزع اليه كثير من الشعراء الشعبيين خلال القرن الماضي "ليت امي لم تلدني ليتها كانت عقيمه.. في مولدي فرح ابي وقدم للناس الوليمه. ظن اني مثله احمل افكارا عظيمه.. فخيبت الظن واصبحت عنوان الهزيمه. لا ازور اختي بدارها الاّ بجواز او قسيمه".

تحوي مذكرات احمد السليم المخطوطة وصفا متميزا لحياة الأردنيين في منتصف القرن الماضي خاصة اهتمام الرجال بتدريس ابنائهم رغم الفقر والرحيل المستمر خلف المراعي وحاجة الحقل الى حرّاث وحصّاد وحاجة الماشية الى راعْ.. وهذا الوصف نجده في مذكرات اغلب رجال السياسة والجنديّة الذين تخرجوا من الجامعه السوريّة والجامعة الأمريكيّة في بيروت وغيرها.. وهي تجلو غوامض كثيرة من تاريخ الأردن لم ترد في اسفار المؤرخين الرسميين.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور