كان صباحا نديّا في عمان.. الطبقة الخارجيّة من خيامنا في قيادة لاسلكي الأمن العام بجبل الهاشمي مبللّة برشة مطر في الليلة الفائتة.. تحت الطبقة الثانية كنا نزيح البطانيات الدافئة.. الغسل والحلاقة بماء بارد استعدادا لطابور الصباح الذي تبدأ جميع الوحدات العسكريّة يومها به.. ابريق الشاي على نار خارج الخيمة تحت مراقبة زميلنا عتيق عواد الخبير المتمرّس بحطب الغضا ، بحكم أنه من الزلابية بوادي رم والديسة "ليس الديسي كما في مشروع نقل الماء الى عمان واربد" والطويسة والغال أيضا.. انشغل صبري الرشايدة "من قبائل بيت لحم" في تلميع بصطاره.. واعلن السرحاني محمد عايد أنه سيأكل خروفا في أول اجازة الى المغيّر.. وأخبرنا ممدوح الجريري أن رواتبنا ستتعدل في العام القادم حيث سنبلغ الثامنة عشرة من العمر.. وأعلن سالم الذارع العدوان انه سيخصص الزيادة في الراتب للانفكاك من دين المرابي الذي رهنت والدته "المارس" الأرض لديه ولم يستطع السداد بسبب عامين من القحط ألمّت بزينات الربوع كما هو الحال في غريسا والقنيّة وطواحين العدوان.. صرخ عتيق عواد من جانب ابريق الشاي ينذرنا.. القايد يا عيال.. القايد جاكو.. القايد لابس سويل "سيفيل يقصد مدني". من شق باب الخيمة شاهدت الملازم الأول فؤاد حموقه ببدله مدنيّة كحليّة وكوفيّة بيضاء "قضاضة" مع عقال أسود وفي الجيب الخارجي وردة حمراء لا أعرف من أين جاء بها في المربعانيّة.

ابتسامة فؤاد حموقة وهو يقرفص قرب النار بدّدت خوفنا من زيارة القائد للتلاميذ الأغرار في خيامهم.. أضاف الشركسي وهو يمد يدية فوق النار.. مبروك يا شباب.. سيدنا أجاه ولد.. اختلطت أصوات الفرح برنة كاسات الشاي التي أسرع عتيق بغسلها مع الموسيقى التي وصلت الى أسماعنا من الشارع بين المحطة ورغدان.. موسيقى الجيش محاطة بجمهور كبير مع أكثر من شبابة ومقرونة وطبول كثيرة وعباات تتموّج فوق الأكتاف مع تموّج الراية التي تخاطفها الناس من يد قائد موسيقات الجيش.. حتى الان أحاول ان أفهم كيف التأم شمل كل هذا الجمهور في الصباح الباكر قبل ان نسمع نشرة الأخبار من الاذاعة بصوت المرحومة عائشة التيجاني "قبل عصر التلفزيون".. أعلن الديوان الملكي الهاشمي.. وزعت جريدتا الدفاع والجهاد اللتان تصدران من القدس عددا اضافيّا عن الحدث السعيد مزيّنا بصورة المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال وهو يحمل عبدالله الثاني أول أنجاله بفرحة وصلت قلوبنا قبل أن نشاهد الصورة في الجريدة التي وصلت قبل الظهر ونحن نتجوّل في شارع الهاشمي على أطراف تجمّع الفرحة التي أحاطت بمبنى بلدية العاصمة... في نفس المكان وبعد زمن طويل شاهدت صورة نادرة لمثقال الفايز وحديثة الخريشة وحمد ابن جازي على خيولهم مع عشرات للشيوخ القبائل الأردنيّة يحتفلون بزفاف الملك طلال.

حدثني الشيخ محمد ابن سعود القاضي"ابن سويحه" ان الأمير عبدالله بن الحسين قائد القوات الخاصة في الجيش العربي الأردني كان يستغل العطلة الرسميّة لمقابلة أبناء القرى والعشائر القريبة من مركز قيادته "قرب بلدة حوشا".. بعض هذه المقابلات تأتي بعد يوم عمل من الصعود في الطائرة والهبوط منها في المظلة.

كان الحارث الرابع ملك الأنباط في أزهى عصور الممالك العربيّة يعاتب أحد النحاتين انه لم يرسم الملك جالسا.. احتج النحات ان الملك دائم الحركة لا يجلس.

نحتفل بعيد ميلاد الملك بعد غد بنفس الفرحة التي احتفلنا بها في ذلك الصباح النديّ.. وهو الان في حركته المستمرّة لبناء وطنه في رحلة بين اسبانيا ومقر الاتحاد الأوروبي في سويسرا.. ولا نملك الاّ الدعاء له بموفور الصحة والعافية والتوفيق بمسعاه الدؤوب لخدمة أبناء وطنه.

سيدنا.. كل عام وانت والوطن بألف خير.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور