قال لي أبو عوض الذي يئن تحت وطأة المصاريف اليوميّة للعائلة: خلص بدي أبنّك (بتشديد النون) الدار والمقصود رهن المنزل للبنك مقابل قرض بالفائدة لتسديد الديون المتراكمة بدين جديد.. وهو في عرف الاقتصاديين يسمى جدولة الديون.. وأصر أبو عوض ان المقصود هو توحيد الجهة الدائنة.. فبدلا من تقسيم الراتب على أكثر من دائن (لم يذكرهم أبو عوض كلهم) فهو سيتعامل مع دائن واحد.. الرجل يعرف الفوائد المترتبة على هذه الجدولة أو التوحيد ولكن ما باليد حيلة.
أبو عوض حاليا لا يستطيع أن يمزط من الدائن الجديد كما كان يتوارى عن أعين البقّال والجزار وبائع التصفية الأوروبيّة والأمريكيّة.. فالأقساط تحسم من راتبة كل شهر.. وبدأ النزاع داخل البيت بسبب سياسة ترشيد الاستهلاك التي فرضها على العائلة.. فقد اكتشف الابن البكر (توجيهي في العام القادم) أن عملية شد الأحزمة على البطون ستستمر حتى يتخرج من الجامعة.. لم يسمعه أبو عوض فقد كان مشغولا باقناع منال (9 سنوات) أن ملابس شقيقتها الكبرى ملائمة لها خاصة ان الجلباب سيغطي كل شيء.
اختلط الأمر علي وأنا أقرأ كتاب انهيار الرأسمالية للكاتب أولريش شيفر ترجمة الدكتور عدنان عباس الذي نشرة المجلس الوطني للثقافة والفنون والأداب بدولة الكويت التي وصلت ثروتها الى عقل الانسان العربي قبل أي ثروة اخرى.. يتحدث الكاتب عن فئة المقترضين مرتفعي المخاطر (SUBPRIME CUTOMERS) ذوي السجل الائتماني الضعيف أو غير المعروف.. فقد أتاحت لهم البنوك شراء المنازل في أمريكا دون دفعة أولى وزادت لهم في القرض لشراء لوازم أخرى غير المنزل.. تذكرت احدى الشركات العقاريّة التي أقامت مئات الشقق السكنيّة الصغيرة والكبيرة وباعتها لذوي الدخل المحدود بدفعة أولى بسيطة وأقساط تسدد على مدى ثلاثين عاما.. بعد أعوام اكتشفوا ان الأقساط زادت بارتفاع سعر الفائدة الذي رفعته الشركة من جانبها حسب شروط عقد البيع.
تغاضى المقترضون عن هذا الشرط باغراء من قيمة القسط الشهري التي تعتبر أقل من أجرة الشقة لو سكنوها بالايجار من مالك اخر.. بعد أعوام أخرى طار نصف سكان العمارة لعدم قدرتهم على دفع الأقساط التي أصبحت أكثر من الضعف.. الذين صمدوا في الشقق استدانوا من البنك بفائدة تحت رقابة البنك المركزي وسددوا دينهم للشركة العقاريّة التي فرضت عليهم غرامة التسديد المبكر (حسب شروط العقد أيضا) فخلاصهم من الدين ترتب علية خسارة الشركة لمصادر دخل لا تجف.
ما حدث في أمريكا حسب صاحب كتاب انهيار الرأسماليّة ان المقترضين الفقراء لم يمعنوا في تلك البنود المكتوبة بحروف صغيرة من العقد وبجمل طويلة معقدة التركيب.. فقد ارتفعت قيمة القسط عليهم من ألفي دولار الى ثلاثة الاف وخمسمئة دولار في الشهر.. هرب السكان من المنازل وتركوها للبنوك التي عانت من جفاف نبع السيولة الشهرية فلجأت الى اشهار الافلاس حماية لها من الدائن الأكبر الذي اقترضت منه وأقرضت الفقراء.
لعلّ الصديق أبو عوض محق في جدولة دَينه وترشيد الاستهلاك في منزله بتقليص عدد الأجهزة الخلويّة من أربعة الى اثنين.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور