كان يذهلنا ذلك الرجل الذي يضع الجراب أمامه في حوش المضافة "لاستيعاب أكبر عدد من المتفرجين.. رجالا وأولادا. أما النساء فكن يسرقن نظرة من خلف الجدران" ، ويبدأ العزف على مزماره فيتحرّك الجراب ويخرج منه حنيش أسود يتلوّى مخرجا لسانه بين حين واخر وهو يجيل النظر في الحضور.

في أذهاننا نحن الصغار ، كان الحنيش وسيلة تخويف لنا من أمهاتنا إذا حاولنا الابتعاد عن منازل القرية بحثا عن أعشاش العصافير وبقايا العكوب والقعفور. كانت كلمة "جاك الحنيش" تردّنا على أعقابنا راكضين إلى أزقة القرية.. سارقين أكثر من نظرة الى الخلف ، للتأكد ان الحنيش لم يلحق بنا.. صالحة زوجة عوض كانت تهددنا بالدولاني.. تمط صوتها بنبرة تحذير "جاك الدولاني" وهي تقصد جندي الفرسان الذي يحضر الى القرية لإبلاغ المختار بتعليمات الحكومة.. وأحيانا يرافق مأمور الصحة "البذّاح" الذي يجرح أكتافنا ويضع نقطة من مصل الجدري على الجرح.

ذلك الحاوي مرقّص الحيايا - كما كان القوم يسمونه - لا يعيد الحنيش الى جرابه الاّ بعد تكويم التعريفات الحمراء والقروش بجانب الجراب.. يعلن المختار أن عشاء الحاوي على النار.. نتفرّق بعد ان يعود الحنيش إلى الجراب.. يتساءل منصور إبن عوض عن مصير التعريفة والقرش.. هل يأكلهما الحنيش أم يأخذهما الحاوي؟. تطوّع زهدي إبن فلحا - مات أبوه مبكرا ونسبه القوم إلى أمه - بتفسير أقنعنا.. يجمعها الحاوي.. يطعم التعاريف للحنيش ويخزن القروش في الجراب.. لم يقتنع جلعود بالتفسير.. ترصّد للحاوي بفراش النوم في صدر المضافة.. دخل بأعواد الحطب ، وضعها قرب الكانون متفحّصا نوم الحاوي من يقظته ثم خطف الجراب وجاء إلينا في مغارة أبو صبحي.. أضفنا حطبا على النار للإضاءة.. تشاورنا في إفراغ الجراب وخلصنا إلى قتل الحنيش قبل إخراجه... تبارينا برضّه بأعواد الحطب والحجارة حتى همدت حركته.. أفرغ جلعود الجراب على الأرض فتناثرت قطع الحنيش الأسود ولم يظهر قرش واحد مما أبطل نظريّة زهدي إبن فلحا الذي خطف الجراب ورماه في النار.

في اليوم التالي اقتربنا من حيطان حوش المضافة للتشفّي بمرقّص الحيايا الذي لم يبق له الاّ المزمار.. صعقنا ونحن نراه يضع جرابا على الأرض ويبدأ العزف فيخرج الحنيش من الجراب يتلوّى ويمد لسانه.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور