جلس روبرت امام الشاشة في مكتبه بتل ابيب يرتشف قهوة الصباح.. اخبره ديفيد قبل ان يغادر ان طائرة واحدة تحلّق في سماء غزة وكاميرتها ترسل الصور الى الشاشة.. امتلأ المشهد بخيالات سوداء تتحرك حول شبه منزل فقير.. اشياء تتحرك والطائرة قادمة تصور المشهد.. تحركت فأرة الكمبيوتر بيد روبرت.. واحد.. اثنان.. ثلاثة.. ثم انطلقت الصواريخ من الطائرة بلا طيار التي تتلقى اوامرها من روبرت.. امتلأ المشهد بالغبار والدخان وتناثرت اشلاء الخيالات السوداء على الأرض.
استرخى روبرت وحرك فأرة الكمبيوتر لاعادة الطائرة فوق الهدف تمهيدا لكتابة تقريره عن نتيجة الصيد في ذلك الصباح. قرع الهاتف.. جاءه صوت جاف على الطرف الآخر يقول.. يا غبي.. قتلت قطيعا من الماعز.
في فضائية عربية من مئات الفضائيات التي يحتاج المرء الى ساعة كاملة حتى يشاهد ثلاث ثوان من بث كل منها.. جلست المذيعة تحاور ضيفها عن الخط الحديدي الحجازي الذي كان يبدأ من استانبول وينتهي في المدينة المنورة على ساكنها افضل الصلاة والسلام.
خلال خمسين دقيقة من اللقاء لم يظهر القطار ولا الخط على الشاشة.. فقط وجه المذيعة المبتسمة دائما ووجه الضيف الجاد جدا وهو يتحدث عن خراب مئات الكيلو مترات من الخط. وتحوّل بعض محطاته الى زرائب للأغنام ومخازن مؤقتة للأعلاف. غضب مدير الفضائية ووبخ المذيعة التي تعد البرنامج بنفس الوقت. لهذا الفراغ الهائل في صورة البرنامج.. ذكرها ان مكتبة المحطة تحوي مشاهد للقطار والخط تملأ ساعتين من البث الذي ستبعد صوره ملل المشاهدين من وجهين يتبادلان الاسئلة والأجوبة طوال البرنامج.
احتجّت المذيعة ان هذا عمل المخرج المنوط به تطعيم البرنامج بالصور والمشاهد لا سيما ان المقابلة مسجلة. افاد المخرج انه لا يعرف بأمر خزائن المكتبة.. نادوه على عجل لاخراج البرنامج.. قالوا له.. مقابلة على شاكلة الاتجاه المعاكس وان النتيجة جاءت معاكسة.. فالمذيعة لم تستطع احراج واستفزاز الضيف بالأسئلة. والضيف كان يطالع الأوراق التي جاء بها الى الاستوديو كلما وجهت له المذيعة سؤالا من اوراقها..
جاء في توبيخ المدير للمخرج.. لو انك صورت الأوراق لحصلت على تنويع في ساعة من الكلام.
بحلق المخرج بدهشة في شاشة الكاميرا التي بدأت تصّور مشهدا في مسلسل بدوي يعود تاريخه الى زمن السيف والرمح.. كانت الممثلة ترتدي ملابس بدوية براقة. وفي اذنيها حلقتان من ذهب كل واحدة بحجم علبة الكبريت.. وعلى صدرها قلادة ذهبية.. وبيديها اساور ذهبية مجدولة مع ساعة حديثة.. صرخ المخرج.. انت ذاهبة لحلب الغنم.. والمشهد الذي يليه تذهبين لجمع الحطب.. سكتت الممثلة واجاب المنتج.. مشيها ما معنا وقت نغيّر ونبدّل.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور