حينما نجح اليهودي المجري ثيودور هرتزل بتاسيس الحركة الصهيونية وعقد المؤتمر الصهيوني الاول في بازل بسويسرا عام 1897 ، اختار فلسطين (من دون كل بقاع الدنيا) مهجرا لليهود المنبوذين في اوروبا.. ولما كانت فلسطين تتبع ولاية الشام العثمانية فقد اتجه هرتزل الى السلطان عبدالحميد الثاني يعرض عليه حلا لمشكلة السلطنة المالية (1901) مقابل السماح ليهود اوروبا بالهجرة الى فلسطين ، والاستيطان فيها.. كانت الدولة العثمانية شبه مفلسة تخوض حروبا في البلقان وتعاني من فساد الادارة في الولايات.. ومع هذا رفض عبدالحميد الثاني هجرة يهودي واحد الى فلسطين.. حينما نجح حزب الاتحاد والترقي في الانقلاب على السلطان. ارسل له وفدا يبلغه بخلعه بموجب فتوى من شيخ الاسلام في السلطنة تدعمها المدافع والبنادق.
كان احد اعضاء الوفد هو اليهودي قراصو افندي الذي ساهم مع يهود الدونمه في تفكيك الامبراطورية العثمانية ، لتصبح على ما هي تركية الآن. ورغم اصرار مصطفى كمال اتاتورك على كتابة اللغة التركية ، بالحرف اللاتيني بدلا من العربي.. والاتجاه بتركيا نحو الغرب الاوروبي ، الا ان العربية (لغة القرآن الكريم) بقيت في اللغة والثقافة التركية رغم مرور نحو قرن من الزمن على الحرب العالمية الاولى.
وجدت تركيا الحديثة نفسها خارج نادي الرجل الابيض (الاتحاد الاوروبي) رغم محاولاتها المتكررة من الحكومات المتعاقبة على ادارة البلاد بسبب الشروط التعجيزية التي فرضها الاوروبيين على الاتراك.. قبرص.. الارمن.. الاسلام.. حتى ملَّ الشارع التركي من نغمة الاتحاد وانخفضت نسبة الاتراك المؤيدين لانضمام بلدهم الى الاتحاد الى النصف. مما مهد الطريق الى وصول حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب اردوغان للحكم. وهو يريد تحويل معايير كوبنهاغن السياسة الى معايير انقرة.. وتحويل معايير ماستريخ الاقتصادية الى معايير اسطنبول.. ولن ينجح الا بتحالفات اقتصادية خارج اوروبا وهي متوفرة عند الجيران العرب والايرانيين.. ولان الاقتصاد هو بوصلة السياسة في العالم. فقد ظهر اردوغان عربيا اكثر من العرب وفلسطينيا اكثر من الفلسطينيين ومن خلفه الشارع التركي الذي يدعمه في مشروعه الكبير.
تاتي حادثة القرصنة على اسطول الحرية لغزة الذي انطلق من تركيا في زمن تشرذم عربي وتشرذم فلسطيني قل نظيره في الازمان السابقة. وجاءت ردود الفعل العربية وليدة لحظة الحادثة بسبب ثورة تكنولوجيا الاعلام التي عجزت اسرائيل عن التعتيم عليها بسبب حركة الشارع العربي المتحفز تحت تراكمات لا تتسع هذه الزاوية لتعدادها.. وهي ستؤثر على الحكومة الاسرائيلية المتطرفة بشكل مؤقت حتى تمتص الاحتجاج والغضب الذي ظهر في اوروبا وامريكا.. اما على الارض فهي ماضية في الاستيطان وابتلاع الارض الفلسطينية والتسويف في محادثات السلام الى ما شاء الله.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور