الأستاذ الدكتور سليمان عربيات ، أمتعنا الله بغزير علمك وسعة إطلاعك وأنت تتابع تراث البدو إبتداءً من مدونات الرحالة مرورًا بالمرويّات من أخبارهم وأشعارهم ، لفت نظري مقالك في الدستور 27( تموز 2010 ) عن طير شلوى والقصة المصنوعة عن الأخوة الأيتام الثلاثة الذين رعتهم جدتهم شلوى من المنايح وصدقة الجيران . أقول إن القصة وصلت إلى الإنترنت مصنوعة لأني قرأت وسمعت الكثير من القصص التي طوّعها الراوي البدوي لتناسب حاله أو تدعو إلى فضيلة في مجتمع كان ينام على الحذر ويصحو على صهيل خيل الغزو . مثال ذلك قصة عجايب وفرج الله اللذين عاشا في خدر واحد وقد تقمّص الشاب فرج الله دور فتاة خرساء دميمة لا تستطيع الكشف عن وجهها . وقد صنع الراوي قصيدة العفّة الشهيرة في تراث البدو الثقافي :
يا كاتب المكتوب يابو المكاتيب يا منحّر صوب الشريف الركايب
خذ لي سلامي وصير أسرع من الذيب وأوصل المكتوب لحضرة عجايب
بنت الشريف القاعدة بالمراتيب اللي من سيف أبوها الكل هايب
تسعين ليلة وأنا مجاضع على طيب وأنا كما طفلة مرخّية الذوايب
قلت أنها مصنوعة لتناسب الحكاية المصنوعة على شاكلة الكلام الذي صنع على لسان الخريصي علي الفدعاني للنيل من الشاعر العربي إيليّا أبي ماضي والحط من شأن قصيدة الطين
يا أخي لا تشح بوجهك عني ما انا فحمة ولا انت فرقد
والصناعة ظاهرة في محاكاة إيليّا أبو ماضي
يا خوي ما احنا فحمة ما بها سنا ولا انت شمس تلهب الدو بضياه
ملبوسك من البز تيلاه بلوى مثل الأكفان لميت طال مشحاه
الله يخونك كنت للناس منصى واليوم العشى بمخومسك ما لقيناه
ولو قارنت هذه الصناعة بمذهّبة بلدياتك شاعر البلقاء سالم الحياري حيث يقول :
حر تحدّر من مسانيد حوران يدوّر الغرّات ذيب الشلايا
طلّ الرقيبة وقال متعب بمكمان وأخوان ذيبة باتعين الهوايا
للحين ذر كليب ما فان له شان وللحين سروج الخيل منهم ملاّيا
لوجدت فارقآ بين الأصل والمصنوع كما هو الحال فيمن نشر الحكاية وأبيات الشعر على الشبكة العنكبوتيّة عن العجوز شلوى وأيتامها الثلاثة :
هنيّكم يا ساكنين تحت قاع ( القبر )
ما مرّكم ودي يقفاه خاكور
هنيّكم متم بحشمة وبزاع
وما من عديم ينغز الثور
القاع في لهجة أهل العراق تعني الأرض . والقاع في لهجة الحجاز ونجد وبادية الشام تعني الأرض المنبسطة كما هو الحال في قاع الجفر وقاع السعيديين في وادي عربة . وقيعان خنّا إلى الشرق من الجامعة الهاشمية . أما كلمة بزاع فلم أجد لها معنى أو تكرارا في أشعار البدو وكتب اللغة . والعديم هي الماشية التي تذبح للضيوف بدلالة قول خلف الأذن الشعلان
يا فلان لولا البوق ما أنتم رديين بذبحكم للعديم وصبّكم للأدامي
ترى أين هذه القصيدة المصنوعة (هنيّكم يا ساكنين تحت قاع ) من شعر مسلط الجربا :
نطّيت براسي مشمخّرات العراجيب
الرجم الطويل النايف المجلحزّي
ونّيت ونّة ما يهجع بها الذيب
وأوجس ضلوعي من ضميري تنزّي
في اللغة أشلى الحيوان . دعاه للطعام . وأشلى الكلب على الصيد أي أغراه . وأشلى الناقة دعاها للحلب أو الأكل . وأشلى الصقر دعاه للصيد . وفي عرف البدو طير شلوى . الصقر الصيّاد الذي يطيع صاحبه عندما يشليه .
أما قبائل الجربا التي تتركز زعامتها في آل محمد من شمّر كما روى صاحب عنوان المجد في تاريخ نجد ( عثمان ابن بشر ) .. وصاحب عشائر العراق ( عباس العزاوي ) وصاحب عشائر الشام ( وصفي زكريا ) فلم يرد في هذه الأسفار الثلاثة عن خصومة بينهم وبين الحكومة العثمانيّة . بل هي إستعانت بشمّر الجربا لمواجهة غزوات القبائل النجدية منذ عام م1791 .. وفي أواخر حكم العثمانيين للعراق كان شيخ شمّر عجيل الياور صاحب الكلمة المسموعة في العراق .. وهو جد غازي الياور أول رئيس لجمهورية العراق بعد صدام حسين .
نفعنا الله بعلمك يا سيدي فإن أكثر المرويّات التي تصدّرت الشبكة العنكبوتيّة هي من ذاكرة أشخاص زادوا وإنقصوا فيها ولا بد للباحث المدقق أن يميّز بين الغث والسمين .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور