في مسرحية شجرة على الحدود يتوقف إطلاق النار وسط إحدى القرى المنكوبة بالحرب .. وبعد حين يتحول وقف إطلاق النار إلى هدنة دائمة ثم حدود دولية .. لا بد من إقامة الجدران العازلة لتفصل المباني والشوارع عن بعضها .. فبين كل دولتين جارتين .. حتى لو كانتا شقيقتين أكثر من التوأم لا بد أن يتوجس الجار من تجسس جاره . والخوف مما يبيته له بين حين وآخر .. في دول متقدمة انقسم الناس بين محافظ وليبرالي .. بين اشتراكي ورأسمالي .. ولكن الانقسام كان في الأفكار والسياسة وكله لصالح الوطن الواحد وليس لتقسيمه إلى وطنين حينما تحتقن الأمور وتصل من حالة الغليان التي تغذيها عناصر خارجيّة إلى حالة الانفجار .. جميع الخلافات التي أدت إلى الانقسام في الشرق الأقصى ( كوريا .. فيتنام ) كانت بتحريض أمريكي وغربي وسوفييتي ( زمن الاتحاد السوفييتي ) .. ولم يكن لأبناء البلاد رأي قاطع في الانقسام بين شمالي وجنوبي وبين شرقي وغربي .. كان التحريض والتنفيذ من خارج الحدود لمصالح بين القوى العظمى المتصارعة التي جرّبت أسلحتها بيد أصدقائها قبل أن تجربه بيد جنودها .
الغريب أن العالم الغربي لم يجرب الانفصال أو تقطيع أوصال الدولة إلى دولتين أو ثلاث .. فأكبر حرب خاضتها أمريكا على تراب أرضها . كانت حربا لإبعاد شبح الانفصال بين الجنوب والشمال . مات فيها آلاف الشبان الذين قاتلوا إخوتهم وأقاربهم حتى لا تصبح أمريكا أمريكتين .. ومنذ قرون وبريطانيا تقاتل لمنع إيرلندا من الانفصال . ولم تترك سبيلآ إلاّ انتهجته لإبقاء إيرلندا تحت عباءة التاج البريطاني .. فقد هجّرت ونقلت عائلات ايرلندية ( تعتبرها مشاغبة ) بأكملها إلى العالم الجديد الذي استعمرته (أستراليا وأمريكا ) وتعرض جنودها ومواطنوها المدنيون إلى القتل والاغتيال على مر السنين حتى وصلت أخيرا إلى صيغة سلام مع الجيش الجمهوري الإيرلندي . ومع هذا فإن بريطانيا هي صاحبة النظرية المقيتة ( فرّق تسد ) ولم تستعمر بلدا وتخرج منه إلاّ بعد أن تعبث في كينونته .. وليس بعيدا عن الذهن خروجها من الهند بعد أن قسمته إلى هند وباكستان ثم انقسمت الباكستان إلى بنغلادش وباكستان .
وضعنا أيدينا على قلوبنا ونحن نتابع القتال بين جنوب اليمن وشماله وفي أذهاننا فلسطين حماس وفلسطين السلطة الوطنية .. وفي ثنايا الذهن قلق من أن ينفلت العقال في العراق فيعجز الرعاة ورعاة الرعاة من جمع ذود الإبل على مناخ واحد .
قبل ان يحين موعد الاستفتاء في جنوب السودان ( كانون الثاني 2011 ) بشأن الانفصال عن السودان أو بقائه موحدا يصرّح أزيكيل غاتكوث ( ممثل جنوب السودان في واشنطن ) ان الدولة السودانية الجديدة ستقيم علاقات مع إسرائيل سيما وأن المسؤولين الأمريكيين أكدوا له أن الحكومة الأمريكية ستعترف بنتيجة الاستفتاء المقبل كما أن معهدا أمريكيا للاستطلاع خلص مؤخرا أن أغلبية ساحقة من الجنوبيين ستؤيد الانفصال . كما أن البنتاغون يساعد في تطوير القدرات العسكرية في جنوب السودان ويمده بالأسلحة من خلال شركات أمنيّة أمريكية تعاقدت مع حكومة الجنوب لتدريب العسكر هناك . أي أن تجهيز الدولة الانفصالية يجري على قدم وساق قبل أن يحين موعد الاستفتاء وتظهر نتيجته .
ترى هل هناك علاقة بين تجهيز جنوب السودان بالبنية التحتية للدولة وبين مياه نهر النيل الذي يمر بأرض الجنوب قبل أن يصل إلى شمال السودان ومصر ؟؟؟ .. منذ حين بدأ الحديث عن مياه نهر النيل ومشروع إعادة توزيع حصص المياه على دول حوضه .. هل هناك مشروع تعطيش لما سيتبقى من السودان ومصر أم سيبقى مجرى الماء وسيلة ضغط لاستحقاقات أخرى ؟؟؟
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور