في الفترة التي اصبح فيها طاهر المصري رئيسا لمجلس الأعيان كان العبدلله يعيد قراءة تاريخ ( سبع القبايل ) بني حسن الذين تمددوا افقيا في ثلاثة محافظات وعموديا في احد عشر مقعدا في البرلمان الفارط ( مرة اخرى التعبير مغربي ) كنت اتتبع تاريخ قبيلتي الجعافرة ( هذه نخوتهم ) في لواء جبل النار ايام حكم محمد علي باشا لبلاد الشام . في كتاب تاريخي متميز عن ذلك الألباني الذي حاول توحيد الناطقين بالعربية تحت حكمه بادئا بالضرائب وجمع الأسلحة قبل شق الطرق وتوطيد الأمن الذي يؤدي الى الازدهار .. ولأن الجغرافيا تشكل الوطنية والسياسة . فقد بدأت الثورة على الباشا من جبل النار . ولم يكن زعيمها قاسم الأحمد الجمّاعيني الا واحدا من شيـوخ قبيلة العموش بني حســــن التي استقر قســــم منها ( مشاقبة . عموش ) في حوالي عشرين قرية بلواء القدس ومثلها في جبل نابلس بعد ان رافقوا صلاح الدين الايوبي في حملة تحرير القدس .. تراجع الرجل بثورته الى القدس والخليل ثم عبر وادي عربة الى الكرك . واختلف الرواة في محاصرة ابراهيم باشا لقلعة الكرك ثم رحيل الثائر النابلسي الحسني الى البادية حتى قبض عليه احد شيوخ القبائل الشرقية وسلمه الى عسكر الباشا في السلط ثم اعدم في القدس . طبعا كانت هناك مكافأة مالية تسلمها يهوذا الأسخريوطي من كيس الباشا الممتلئ بأموال فقراء فلسطين ولبنان والأردن والشام .
ينسى المؤرخون اختلاط الأعراق والأنساب على التراب حيث تتشابك المصالح وتتآلف القلوب بحيث يصبح العموشي نابلسي وصبح المشقابي قدسي . نكتشف بحكم قراءتنا لعلم الشعوب ان اكثر الطرائف تروى او تؤلف عن رجال اصحاب انفة وكبرياء . يتوتّرون ويتحمسون لكل حدث يجري على ترابهم . نكتشف ان كل قطر عربي اختص في زواياه بنخبة من اولئك الصفوة الغاضبين الذين لا يطيقون لمسة الخشم .. يؤلفون طرفة عن النوابلسة الذين يصنعون الكنافة في اول النهار بدبس العنب لأن الوافدين للتسوق في الصباح من الأرياف وهم لا يفرقون بين الدبس والقطر ويرددون مقولة ... هي الك .. اليوم ولا بكرة بتضلي الك .. ولكن الأمر ينقلب بصورة عجيبة تكذّب النكتة ومؤلفها الذي حسد النوابلسة على صناعة الصابون الذي يعتمد على شجرة الجلو في البلقاء قبل اختراع الصودا الكاوية .. يقرر الانتداب الانجليزي على فلسطين في العصيان المدني العام 1936 وثورة 1929 .. ان يتتبع الريفيين الفلسطينيين معتمدا بالدلالة عليهم بالكوفية البيضاء والعقال .. فهم وقود الثورة في القرى والأحراش والكهوف فليس مثل الجبال الوعرة والاحراش والكهوف مخبأ آمنا للثوار بما فيهم الدمشقي عز الدين القسام الذي بدأ من يعبد احدى بلدات نابلس .. يفاجأ عسكر العمارة ( تسمية اطلقها النوابلسه على مقر الحاكم العسكري والموظفين والعسكر والسجن شرقي نابلس ) بجميع رجال مدينة نابلس بما في ذلك صناع الكنافة يرتدون الكوفية البيضاء والعقال والقمباز .. ولم يعد البوليس يفرق بين ريفي ومدني .. فقد توحّد الجميع في المصيبة .. وتحولت النكتة من الدبس الى الدم .. والدم لا يصير ماء ..
احتشدت كل هذه السطور في خاطري وانا اقرأ عن عملية القلب المفتوح لذلك النابلسي المخضرم ولا املك الا الكلمة فأقول .. سلامة قلبك يا ابو نشأت.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور