اختلط الحابل بالنابل في دراما رمضان . تشابكت القضايا الاجتماعية والاقتصادية مع حالة العنوسة وتغلفت بعدة مسلسلات كوميدية تافهة تعتمد على الصراخ والانفعال . وبدأ النقد فيها خطابيا مثل مقالاتنا في الصحف اليومية وساذجا لدرجة العبث بعقل المشاهد الذي لم يعد يفرق بين التلفزيون والاذاعة ... الأعمال التاريخية والوطنية توارت في البث على محطة واحدة غير معروفة لأغلب المشاهدين الحائرين بين اكثر من اربعمائة قناة بث على قمر واحد .. المصيبة ان كل هذا الغث سيعاد بثه بعد رمضان كما جرت العادة .
الهبوط في مستوى ذلك المنتج الثقافي يتزامن مع الهبوط في الحال العربي المائل وبعض منه المفاوضات المباشرة رغم ابتلاع الأرض الفلسطينية بالتوطين .. ركود اقتصادي يواكبه غلاء في الأسعار مع بطالة حتى في الدول العربية الغنية .... اذا اخذنا بعين الأعتبار ان حالة الدراما التلفزيونية مبرمجة مع سبق ألاصرار والترصد . يخطر في البال ما حدث للشاشة العربية الصغيرة زمن انتفاضة اطفال الحجارة الأولى في فلسطين ، وهي نسخة مجددة من العصيان المدني العام عام 1936 حيث لم تجد بريطانيا المنتدبة على فلسطين بدا من الأستعانة بزعماء الدول العربية في ذلك الزمن باقناع القيادات والوجاهات والمشيخات الفلسطينية بانهاء الاضراب الكبير مع وعد بوقف الاستيطان اليهودي في البلاد قريبا .. حينما انتهى الاضراب لحست بريطانيا وعدها كأنه لم يكن .
في انتفاضة اطفال الحجارة ، امتلأت الشاشات العربية الصغيرة بعشرات الأفلام والمسلسلات الأمريكية التي تقدس الطفولة . وتصنع من الأطفال ضحايا مجتمع وضحايا فقر واقتصاد وحروب واكتشفنا ان الطفل الأمريكي يعاني اكثر من عائلته .. اصحاب العقول الواعية من مدمني الدراما الأمريكية حزنوا لحال الأطفال في امريكا والمكسيك ولم يحزنوا لأطفال فلسطين . بل كانوا يصفقون لهم ويرمشون بعيونهم فخرا . حتى عندما شاهدوا جنود الجنرال اسحق رابين يقضقضون عظامهم الطرية بالحجارة اياها وهم مقيدو الأيدي . لم تفلح حملة توجيه الرأي العام في ذلك الزمن على التأثير على العقل العربي الذي تابع الأنتفاضة وتابع تقليدها بحرب الحجارة في اكثر من مكان في العالم .
كثرة النقد والاستنكار في الوطن العربي لمنتج رمضان الدرامي هذا العام . وبعضه وصل الى ما يشبه الرجم . يدل ان بقايا العقل العربي لم تزل بخير .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور