كنا قديما في سن الطفولة نتحرى هلال رمضان المبارك ونحن نغني "بكرة العيد وبنعيّد ونذبح بقرة اسعيّد". لماذا اسعيّد بالذات؟ واسمه تصغير سعيد بأكثر من لهجة عربية.. في الأزمان الماضية كنا نأكل اللحم في ثلاث مناسبات.. الأولى عندما يحل ضيف على القبيلة.. وليس أي ضيف.. فهناك ضيف رشوف أو لبن وسمن مع تمر وربما بيض.. وهو من عامة خلق الله عابري السبيل.. وهناك رجل وجيه محترم معتبر تذبح له الذبيحة ويسمى في القضاء البدوي ضيف ذبيحة.. أما لماذا دخل مجلة الأحكام العدلية البدوية وتربع في مادة من موادها القانونية.. فلأن صاحب الأغنام البعيدة عن منزله يحق له العداية واخذ ذبيحة من غنم جاره (يعيد مثلها له فيما بعد) إذا جاءه ضيف مفاجئ ويجب أن يكون ضيف ذبيحة.. أي يستحق أن يذبح له خروفا أو شاة.

والثانية عندما تموت شاة أو بقرة وتذبح وهي في آخر نفس ليحل أكلها.. والثالثة في العيد الكبير (الأضحى) والبعض يذبح في عيد رمضان.

حينما كان سكان القرى يقرمون الى اللحم بين حين وآخر.. يلجأون للمشرك وهو شراء بقرة يوزع ثمنها بينهم ويقتسمون لحمها.. ولا بد من منافسة على لحم الفخذ واليدين والظهر.. وينسحب هذا التقليد على بعض القرى الأردنية في العيد حيث لا تستطيع كل عائلة أن تضحي بخروف أو جدي. لأن ثمنه يكسي قطاطيم اللحم المتناثرة في الحوش من بوتيك ملابس البالة المتجول على حمار صليبي يقضي فترة تجواله وهو ينعم بالمأكل والمبيت مجانا.

حدث وان أسعيّد جلب بقرته للبيع في سوق المواشي برأس العين قبل أن يصبح مبنى أمانة عمان الكبرى.. قرر تجار المواشي تبخيس ثمن البقرة كما هو حال صندوق البندورة الوافد من الغور إلى الحسبة. ولأن اسعيّد تعب وانفق على بقرته.. عاد بها إلى القرية والخيبة تتناثر من قسمات وجهه مرورا بملابسه حتى الزربول (كلمة يونانية تعني الحذاء) أراد احدهم أن يهّون عليه مصيبته فأخبره أن العيد قريب وسيقوم أهل القرية بشراء البقرة منه ليتزفروا مع أطفالهم.. شاعت الحكاية في القرية وبدأ الأطفال يغنون.. بكرة العيد وبنعيّد ونذبح بقرة اسعيّد... ولكنهم لم يشتروا البقرة ويذبحوها صباح العيد. فقد تحركت قوى ضاغطة في القرية لمؤازرة صاحب الثور الابرق (لونه ابيض واسود) بحجة شراسته في نطح الناس وعبثه بالزروع في الحقل وعلى البيادر.. راجت في القرية مقولة.. فكونا من هالثور الأبرق. وضاع صوت اسعيّد ومن يؤازره.

في العيد التالي غنيّنا من جديد.. بكرة العيّد وبنعيد ونذبح بكرة اسعيّد.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور