الباحث الألماني نيكولاس كار أصدر كتابا في ثلاثمائة وثلاثة وثمانين صفحة يخلص فيه إلى أن الجلوس ساعات طويلة أمام الكمبيوتر الذي يضخ صفحات من الانترنت في عقل المشاهد يؤدي إلى فقدان المشاعر والإحساس لدى الإنسان.
في أدبنا الشعبي يقولون "تمسح".. أي أن عقله أصبح مثل جلد التمساح.
اغلب الألمان (موضوع دراسة كار) يقضون ساعتين ونصفا يوميا أمام الإنترنت. وهو وسيلة اتصال صاعقة تؤدي إلى تشتيت الذهن مع سيل المعلومات التي يوفرها بالإضافة إلى عدم التركيز قياسا لقراءة كتاب يبدأ الإنسان قراءته من الصفحة الأولى إلى الأخيرة ليتابع موضوعا محددا. سواء كان قصة أو رواية أو بحثا علميا في أي مجال. الذين استقوا معلوماتهم من الإنترنت حسب استبيان كار كانوا أكثر تشتتا ذهنيا واقل تركيزا من قراء الورق في الكتب والصحف. حتى أن كثيرا من الأكاديميين في شيكاغو داخل الجامعات العريقة الذين يعتمدون على الإنترنت في الحصول على مصادر بحوثهم ودراساتهم هم اقل كفاءة من مستخدمي المكتبات الورقية.
منذ أن بدأنا عصر الإنترنت والهاتف المحمول في بلادنا. شح التقارب الإنساني بين الناس في الأعياد والمناسبات.. تحديد الكل في مخزون الهاتف من أرقام. أو عناوين البريد الإلكتروني ومن ثم كتابة رسالة واحدة (كل عام وانتم بخير) تعبر عن شعور جامد أشبه بالتعميم الإداري في إحدى المؤسسات الذي يصل إلى كل فرع ويعلق على لوحة الإعلانات حتى يطلع عليه جميع الموظفين والمراجعين.
في اقل من دقيقة يجد مستخدم الإنترنت والهاتف المحمول نفسه قد أدى الواجب بتقديم التهاني إلى جميع من يعرفهم داخل أجهزته. وهو لا يتواصل معهم في باقي أيام العام إلا لظروف اضطرارية مثل العمل أو النقاش السريع في أمر يهمه.
وأنا اكتب هذه السطور يوم وقفة عرفة لا تتوقف أجهزة الخلوي والكمبيوتر عن ضخ رسائل التهنئة بالعيد من أصدقاء لم أتواصل معهم منذ اشهر.
كل عام وانتم بخير.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور