طالت غربة محمد ابن غدير بعيدا عن أهله وأقاربه خلال جلوته في حماية قبيلة الزبن من بني صخر. وقد تشوّق الى بلدته مرحب والعالوك والمصرّات التي تقع على الجانب الغربي من نهر الزرقاء:

والله والله ثم دين بالأشهاد

وحق الرسول وحق رب البريّة

اني عليل وما تهنّيت بوساد

ولي علّة بأقصى الضماير خفيّة

سهران أمضي ليلي اعضّ الانجاد

على الرفاقة يوم يطروا عليّه

قلبي مثل جو تدالاه الأوراد

ضوامي تاتيه من كل فيّة

طبت بالحشا مالها عداد

مثل الجراد بسهول ريهديّة

وللزبن من بني صخر سابقة متميزة في حماية المستجير. فخلال قمع ثورة الكرك أو هبّتها عام 1910 من قبل سامي باشا الفاروقي. تفرّق الكثير من شيوخ الكرك ورجالها ، لاجئين الى القبائل البعيدة والقريبة. وكانت الكرك على عداء قبلي مع بني صخر نتج عنه "بغزوات كثيرة" نهب مواشي وإزهاق أرواح. خلال هروب بعض الكركيّة الى الشمال عبر البادية وجدوا أنفسهم في مراعي قبيلة الزبن "أعدائهم القبليين" فطلب كبيرهم من أحد رعاة بني صخر أن يذهب الى حيدر الزبن في بيته ويخبره أن الكركية دخلوا حماه مستجيرين. فما كان من الزبن الا أن جاءوا على خيولهم يستقبلون مستجيريهم ويؤوونهم في منازلهم حتى صدر عفو ولاية الشام عنهم. ومثل هذه الأحداث تتوّثق في روايات البدو كنادرة من التسامح وأنجاد المظلوم.

يعرف محمد ابن غدير أن عودته الى أهله منوطة باقاربه من ولاة الدم. وأحدهم يدعى علي كما تكرر اسمه في القصيدة:

اللي نصاهم يا علي بالهدى فاد

ربعي هيل الشومات والحمية

نار بالحشا توقد وقاد

ما بردنها يا علي مسنّيات الدليه

ولهذا أرسل هائيّته الشهيرة يذكر فيها حالته ويتشوّق الى اهله ودياره:

من بعد ذا يا راكبا فوق فدّاد

يقطع بعيد البلد لو هي خلية

تلفي على مرحب يا ليته بالارعاد

نفسي عشوفهم مثل عطشانة الميّة

وبعد أن يحيّي أقاربه ويذكر اسماء كثيرة منهم. نجده متمسكا بعزة نفسه بالرغم من مصيبته في الغربة:

إذا سألك عني من الحي حسّاد

قل له شديد الحيل على المعنقيّة

على قبّا من الخيل مسناد

يلكد مع أول سربة باسلية

واذا سألك عني من الحي ودّاد

قل له كفاك الشر حاله زريّة

بعد القرايب نقص العمر ما زاد

وشوفهم يا علي جنّة الظاهريّة

بعد وصول القصيدة الى أقاربه وشيوعها في البادية الأردنية. استعادوه من غربته بالصلح العشائري على عادة القبائل قديما وحديثا. ويبدو من بعض أشعاره انه رجل ملتزم بدينه على خلاف أغلب أبناء البادية في ذلك الزمن:

حمدنا الله على فعله حمدنا

واحد بالملا حاصي عددنا

عسى بالقبر يحدرنا ولدنا

ولن سوا مليح ما يمنه

رجينا ربنا يرحم عبيده

وسيع الباب رزق الناس بيده

واحد بالملا ماحدْ فريده

رحوم وراجين الشفاعه منه

الا يا رب لا تخيب رجانا

عسى وارثنا منا ضنانا

نشهد يوم سهم الموت جانا

نرجي ساعه لا بد منه

لم تدوّن أشعار محمد ابن غدير في زمن ابداعها مثل أغلب اشعار البدو في أصقاع الوطن العربي. ولهذا تعرضت للتغيير والتحريف بفعل الرواية المستمرة لها. وقد وجدنا فرقا كبيرا في قصائد نمر بن عدوان كما يرويها أهل البلقاء. وكما دوّنها الباحثون في المملكة العربية السعودية والكويت. حيث دخلت أبياتها مفردات كثيرة من لهجة تلك المناطق.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور