لا اعرف السبب في وقف عرض المسلسل التلفزيوني الذي يروي سيرة الشاعر الفارس الشيخ سعدون العواجي . فقصة حياته التي وصلتنا من الرواة واثبتها الشاعر محمد بن احمد السديري في كتابه ابطال من الصحراء . توحي بالمأساة الإنسانية التي تماثل التراجيديا الإغريقية . فقد هجره اولاده عقاب وحجاب راحلين من نجد الى اخوالهم من قبائل الفدعان ( عنزه ) في بلاد الشام مع والدتهم التي طلقها سعدون لخلاف بينهما . وادى غيابهما عنه الى تطاول احد ابناء قبيلة الشاعر ( ولد سليمان ) ويدعى شامخ العواجي على سعدون ليصبح شيخ القبيلة ، وبلغ من اهانته لسعدون انه كان يمنع ورود ابله للماء الا بعد سقاية ابل القبيلة كلها . وقد وصف سعدون حالته بقوله :
اوجست من حر الليالي سعرها ....
وذكرت طيب ايامنا الفايتاتي
ونشدت وين اللي ينثر حمرها ....
وقمت اتذكر وين حروة شفاتي
عقاب السبايا ان جاها ذعرها ....
عوق العديم ومشبع الحايماتي
استجاب عقاب وحجاب لصرخة والدهما وعادا من ارض الفرات الأعلى وطردا شامخ عن رئاسة القبيلة واعادا لوالدهما سعدون مجده الضائع في غيبتهما .. ولما كانت نجد وبادية الشام والعراق مسرحا لغزوات القبائل .. تنهب الماشيه فيها ويقتل الرجال كل حين . فقد وثق لنا فحول الشعراء البدو المعاصرين لتلك الأحداث وصفا يفوق الرواية . ففي حين تضعف الرواية ويتغيّر الوصف في مفرداتها خلال حركتها بين القبائل البدوية مع مرور الزمن . نجد ان القصيدة التي تماثل مذهّبات ومعلّقات شعراء الفصحى حافظت على بقائها لجزالة الفاظها ولثبات الجرس الموسيقي فيها عندما تغنّي بمصاحبة الربابة . وتصبح بعض ابياتها مثلا بين السامعين لبعد مغزاها الإنساني الذي يخاطب كل الناس وليس فئة دون اخرى كقولهم ..
اذا كنت تبي عمى عينك بيمناك ....
اضرب عليها يا قليل البصيرة
حيث يقصد الشاعر ان الخلاف مع الأقارب والأصدقاء الذي يؤدي الى العداوة يماثل ضرب الأنسان لعينه حتى يصيبها بالعمى . وليس اغلى على الأنسان من بصره الذي ربما يفقده بسبب قلّة بصيرته في قبيلته او مجتمعه .
اصبحت فروسيّة عقاب العواجي مضرب الأمثال في زمنه . وقد اعيا القبائل بشجاعته وقهره لخصومه . حتى ان احدى قبائل شمر طرحت فنجاله .. أي سكبت فنجان قهوة في ديوانها واشترطت على من يشربه ان يقتل عقاب . وقد تجرأ احد رجالهم غير المشهورين واسمه "ابا الوقي" على شرب الفنجان والتزم بالشرط . وهجم على عقاب في احدى الغزوات واسقطه عن جواده فيما كان الغبار يلف المشهد . اعتدل عقاب واخذ اقرب سيف له وركب اقرب فرس وفعل ابا الوقي مثله . وعندما تكافّ القوم وجدوا ان "ابا الوقي" وعقاب قد تبادلا السيوف والخيل مما اثار قريحة شاعر شمّر مبيريك التبيناوي بقوله :
ابا الوقي يالبيض خضبّن يمناه ....
انا اشهد انه من كبار الحمايل
السيف من يمنى عقاب خذيناه ....
والخيل تبدلت كدشها بالاصايل
وعقاب ما اسبه ولا اسب حلاياه ....
ان جو على قبّ المهار الأصايل
فقد كانت فرس "ابا الوقي" من عامة الخيل بينما فرس عقاب اصيلة . وقد تنبأ سعدون ببيت الشعر . السيف من يمنى عقاب خذيناه . قبل ان تذاع قصيدة التبيناوي بين الناس فهو يعرف اسلوب التبيناوي وفراسته في وصف الحدث .
وللحديث بقية
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور