ينتمي سعدون العواجي الى فرع ولد سليمان من قبائل عنزة التي تنتشر في الجزيرة العربية والعراق وبلاد الشام . وكثير من ملوك وأمراء الجزيرة العربية ينتمون الى هذه القبيلة . وتعتبر مرثية سعدون العواجي بولديه عقاب وحجاب من أشهر المراثي في البادية . وبالرغم من ان محتواها يحاكي حالة وظروف البدو في زمنها الاّ انها ترقى الى مستوى المأساة التراجيدية الانسانية في كل زمان ومكان . فخلال غزواتهما المستمرة قتل حجاب وعقاب في إحدى الوقائع التي تحدث كل يوم في البادية بغياب النظام الامني المعدوم في المنطقة . فالدولة العثمانية كانت عاجزة في ذلك الزمن عن حماية محمل الحجاج السنوي وتستعين بنفس الغزاة لحماية طريق الحج مقابل اجرة تسمى الصرّة . ومن الصدف ان تسأل إحدى النساء عقابا عن زوجها بعد عودته مع رفاقه من الغزو فيجيبها بالشعر قائلا :

يا بنت ياللي عن حليلك تسألين

حنّا لنا حيّ يسألون عنّا

ليتك تراعي يا عذاب المزايين

يومن عيدان القنا يطعنّنا

كان غزو ولد سليمان قد انقسم الى فرقتين في أحدهما عقاب وحجاب وحين العودة الى المضارب كانت كل فرقة تظن انهما معها . عندما افتقدوهما عادوا الى مكان الواقعة ليجدوهما قتيلين فقال سعدون مرثيته الشهيرة :

ياونّتي ونّيتها تسع ونّات

مع تسع مع تسعين مع عشر الوفي

مع كثرهن باقصى الحشا مستكنّات

عداد خلق الله كثير الوصوفي

ونّة طريح طاح والخيل عجلات

كـسـرة حدا الساقين غاد له سعوفي

على سيفين بالملاقى امهمات

سيفين أغلى ما غدا من سيوفي

احشم بحشمتهن ولو هن بعيدات

وأنام الليل لو ان الضوارى تحوفي

خليتني ياعقاب ما به مروات

عيالك صغار والدهر به جنوفي

مرحوم يا نطّاح وجيه المغيرات

إن جن كراديس السبايا صفوفي

الخيل تدري بك نهار المثارات

ياللي على كل الملا فيك نوفي

والخيل تقفي من فعولك معيفات

تاطا شخانيب الرضم ما تشوفي

من عقبكم ما نبكي الحي لو مات

ولاني على الدنيا كثير الحسوفي

وقد أضاف بعض الرواة أبياتا ومفردات الى مرثية العواجي ضمن سياق المأساة التي ترويها المرثية . وأصبحت كثير من ابياتها مثلا يضربه الآخرون في رثاء عزيز او وصف مفقود .. فالعواجي يذكر أنه كان يحظى باحترام الناس لصيت اولاده عقاب وحجاب حتى لو كانوا غائبين وينام ليله دون خوف . وهو يختم قصيدته واعدا أنه لن يبكي على ميت بعدهم وأن الدنيا لم تعد تساوي شيئا في نظره . ويخص ابنه عقاب بالشكوى :

ياعقاب عقبك شفت بالوقت ميلات

واوجست انا من ضيم الليالي خوفي

تتميز مرثية العواجي بعمق الوصف وجزالة اللفظ كونها من ابداع بطل المأساة نفسه ولا بد انه قالها بعد زمن من فقد أولاده . وقد نقلت لنا صحائف التراث العربي عن شعراء الفصحى الذين يكتبون المراثي بالولاة والخلفاء مسبقا قبل ان يموتوا .. وقد احتج أحد الشعراء ان القوم يطلبون منه المرثية بعيد الوفاة مباشرة فلا يجد وقتا للابداع ولهذا يجهز المرثية مسبقا ويظن الناس انه ألفها ساعة الحدث.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور