يزعم الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي ان هناك مخطط تطهير ديني شرير يستهدف الأقليات المسيحية في الشرق الأوسط ..... لو صدر مثل هذا التصريح من شخصية أوروبية متطرفة او كاتب حاقد لا يعرف عن الشرق الا تراث ألف ليلة وليلة وحروب التلفزيون الموجهة الى الغرب عن الأرهاب وأسلحة الدمار الشامل . وهدم بيوت الفلسطينيين واجلاء الأطفال المخربين مع امهاتهم . لقلنا انها الحرب الأعلامية الصهيونية للتمهيد لكل مذبحة في فلسطين .... اما ان يصدر مثل هذا التصريح عن رئيس الجمهورية الفرنسية التي ألهمت ثورتها كل الباحثين عن الحرية في العالم منذ تحطيم الباستيل وحتى الآن . فهذا أمر يدعو للدهشة والاستغراب .. على مر العصور كان اهتمام الجمهورية الفرنسية منصبّا على الانتداب والاستعمار وتقطيع اوصال الدول بتقسيمها الى دويلات . حتى نهاية حكم الجنرال ديغول حيث انحسرت ظلال فرنسا الاستعمارية عن اطراف آسيا وافريقيا . ولم نجد رئيسا واحدا يتخذ من المسيحية ( دين فرنسا ) سببا لانتهاك حرية الشعوب المقهورة واستغلال ثرواتها الطبيعية .

لا يمكن ان يكون ساركوزي جاهلا بتعايش المواطنة بين مختلف الأديان في البلاد العربية . فقصوره الشخصي بالمعرفة مغطى بجيش من الباحثين والمؤرخين والمستشارين الذين يرفدون الرئيس بما ينقصه من معلومات ... لم تظهر النعرة الدينية في الوطن العربي الا مدفوعة بأصابع غربية . فحينما تحركت الأصابع الفرنسية في بلاد الشام في القرن قبل الماضي . وبدأت حروب أهلية صغيرة بين اتباع الديانات نجد ان الشيخ راشد الخزاعي يتلقى وساما رفيعا من بابا الفاتيكان لحمايته مسيحيي عجلون والناصرة من غوغاء الشارع العثماني .

لا يعرف الرئيس ساركوزي ان تلك الفتنة بدأت مع وصول أوائل المبشرين الغربيين الى بلادنا يبيعوننا بضاعتنا .. فالمسيحية بدأت من الشرق وليس من باريس . وتلاميذ السيد المسيح الأوائل انطلقوا بالدعوة من دمشق ومصر قبل ان تسمع أوروبا بالمسيحية . لا نعرف كيف يتطهر وطن من ابنائه الذين عاشوا على ترابه أكثر من ألفي عام وبنوه مع مواطنينهم من المسلمين حجرا فوق حجر .

ترى هل تطهرت فرنسا من سكانها تحت الاحتلال النازي ؟ هل تطهرت الجزائر من سكانها تحت نير الاستعمار الفرنسي ؟ ألا يعرف الرئيس ساركوزي ان مئات الفنانين والمثقفين الفرنسيين كانوا سعاة بريد وجامعي اموال لجبهة التحرير الجزائرية وجل اعضائها من المسلمين . وان الفيلسوف سارتر وقع على بيان مناهضة احتلال الجزائر ؟

من بين كل زعماء العالم نجد ساركوزي يقلل من شأن فرنسا التي أبهرت البشرية بعلمائها ومثقفيها ونظامها القانوني الذي اخذت به اغلب دول العالم . وهو بتصريحه هذا يتطاول على رأس الكنيسة المسيحية . فالبابا يدعو الى التسامح ويقلق لما يصيب رعاياه في اطراف العالم . ويغضب للاساءة للأديان غير المسيحية . ولكنه لا يصف حوادث محلية عابرة بمؤامرة التطهير الشريرة .


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور