احزنني ذلك الطفل بكنزته التي تصل قبتها الى اذنيه توقيا لبرد كانون الثاني.. وانا ضعيف امام الطفولة. فاكثر عقوبة يتلقاها مني احد احفادي في سن الفتى اياه هي ان ادير وجهي عنه واقول له.. انا زعلان منك وما بدي احكي معك.. وبين الجد والمزح اضيف.. يا عيبه.. يا عيبه.
لا اظن ان أي زميل لي من الفنانين قادر على رسم حالة الخوف والرعب التي ارتسمت على وجهه لو طلب من الفنان ان يقلده بدموع وصراخ او بدونهما. حتى لو حمل له المخرج ثعبانا او مدفعا رشاشا لعصر موهبته واستخراج التعبير المماثل لخوف ذلك الطفل..
ولو كتبت مشهدا تلفزيونيا مماثلا لما استطعت اختراع المفردات التي ردّدتها المعلمة وهي تحاول امتحان قدرات ذلك الطفل في تذكر اشكال الأرقام وكتابتها من باب.. هاتوا لي العصاة.. افتح ايدك.. هيك تسعة؟ جيبوا لي العصاية.. والله لأضربك.. والله لاقطّعك.. لا اعرف كيف تفتقت قريحة الطفل بخوفه ورعبه باتقاء العقوبة مرددا كلمة كبيرة في المجتمع الأردني مخاطبا المعلمة.. الله يستر عليك.. الله يستر عليك.. لا بد انها علقت بذاكرته من موقف في الشارع بين قوي متسلط وضعيف عاجز لا يجد وسيلة للدفاع عن نفسه الا التوسّل والدعاء لحامل العصا او السكين بالستر.
لا بد ان المعلمه نسيت الدروس التي تلقتها في الجامعة عن تعليم الأطفال وتربيتهم في المدرسة. نقول الجامعة لأن جميع المعلمين والمعلمات من حملة الشهادة الجامعية. ولهذا تكون قد امضت اربعة اعوام على مقاعد الدراسة (بعد الثانوية) واساتذة الجامعة يحشون المواد الدراسية في رأسها عن التربية والتعليم. دون ان يصرخوا بها مهدّدين بالعقوبة (الضرب) امام زميلاتها وزملائها مستعينين بالتلويح بالعصا. مطلقين عبارات السخرية من استيعابها وحفظها الدروس والمحاضرات. ولو واجهت تلك المعلمة من اساتذة الجامعة ما تعرض له تلميذها الطفل الذي لم يبدل اسنان الحليب بعد. لتركت الجامعة وانزوت في البيت.
ما يريح بالنا ان تصرف المعلمة استثناء نادر. فالعائلة الأردنية حريصة على فلذة كبدها وتعرف منه ما يحدث في المدرسة كل يوم. ولعلّه جرس انذار يدفع بمدراء المدارس والتربية الى زيارة الغرف الصفية بين حين واخر.
وما ازعجنا وقطع نياط قلوبنا (لا بد ان طالبة ذكية صورته) قد طوّف انحاء الدنيا على الشبكة العنكبوتية.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور