لم يتجول في البادية الأردنية شاعر شعبي مثل أبو الكباير . من الجفر يصف الغزوات القبليّة بين التوايهة ومنافسيهم ... الى الكرك يمدح شيوخ قبائلها ... الى ناحية الجيزة يروي أشعاره الى الفايز ويتزوج من الزبن ثم يقصد حاضرة البلقاء السلط يمدح شيوخها ووجهائها في مضافاتهم ...
اذا كان الأدب الأوروبي وصف حال المغني الجوال الذي يغشى الأسواق في المدن والقرى يطرب الناس بموسيقاه وصوته نظير قليل من المال ... وأحيانا نظير قوت يومه من الطعام ... فأن المدونين الأوائل للحياة الشعبية الأردنية تحدثوا عن ابو الكباير بإسهاب كما فعل بولس سلمان في كتابة خمسة أعوام في شرق الأردن ... كما تناقل الرواة أشعاره في أصقاع الجزيرة العربيّة وبلاد الشام .
أبدي بذكر الّلي على الكل بادي
رب الملا والي جميع البوادي
يا رب لا تجعل عليّ نكاد
وعليك تهوين الأمور الصعيبات
يا رب يا والي جميع الرعيّة
يا مدعي الدنيا سماح وفضيّة
يا رب لا تكتب عليّ خطية
يا غافر الذنوب وكل الكبيرات
قم يا علي نشرف على كل طايل
شدّيت عوصا تقطع الدوّ حايل
فوقها غلام ما جنى بالفعايل
متعود قطع الفجوج الخليّات
اسمه سالم ابن منصور الظلاّم ينتسب الى قبيلة العزام وهي بطن من بطون قبيلة الشرارات المعروفة ... اما زوجته فهي مطيعة بنت حسن المسلم (بتسكين السين ) الزبن أحدى قبائل بني صخر التي التزمت حماية وتموين محمل الحج الشامي بين درعا والقطرانة منذ عهد المماليك في القرن السادس عشر وحتى وصول قطار الخط الحديدي الحجازي الى المدينة المنورة عام 1908 ... ولزواج ابو الكباير قصة تناقلها الرواة جيلا بعد جيل .
يروي سعيد الظلاّم ( حفيد الشاعر ) أن أحد ابناء حسن المسلم أصيب في ميدان أحدى الغزوات وظن رفاقه أنه مات .. ولكن الرجل كان يصارع الموت فمر به ابو الكباير ونقله على ناقته وعالجه في بيته حتى شفي ثم عاد الى اهله الذين فوجئوا به بعد أن ظنوه ميتا .. وقرر الرجل مكافئة ابو الكباير بتزويجه من أخته مطيعة التي أنجبت له أولادا وأنجب الأولاد احفادا...
امتاز ابو الكباير بدبلوماسية الخطاب في أشعاره . فهو يصف شجاعة الرجال من كلا الفريقين المتخاصمين ويمدحهم .
صاحوا وصحنا وتنبّه ذكر عودة
روّح مثل سيل قوي مدودة
كم قرم من هواته يقوده
قبل الضحى يبقى على القبر فوّات
يا مثقال ابن فايز ربعك حرارة
صحّابة المظهور بكل غارة
حيّا الغلام الّي ما بهم الخسارة
لكدهم دروز ما يعرفوا المذلات
غزوا لطلال بيضا على رأس طايل
الّي حماكم يوم قطع الاصايل
جعف بكم مثل جعف الحلايل
الموت حاضر والمنايا قريبات
ولعل هذا عائد الى حركته الجوّالة في ربوع البادية الأردنية ومدنها ... فهو يمد خيوط المودّة ( بالمدح ) مع الجميع طالما يحصل على عطايا الشيوخ والوجهاء والفرسان لقاء أشعاره .
وللحديث بقية .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور