يصف الاب بولس سلمان حال ابو الكباير كشاعر جوال في البوادي والمدن الاردنية في مطلع القرن العشرين بقوله:

فمن رآه اليوم يطوي البوادي طلبا للرزق من أهل الكرام خاله فقيرا أو مسكينا عليه ثوب بال وعباءة رثّة. له جسم ناحل ووجه شاحب على أن وراء تلك الثياب البالية نشاهد نفسا كريمة اذا أخذتها هزّة الطرب أو سكرة الحماس أنشدت القصائد الرنانة. وهو اليوم عند المجالي شيوخ الكرك وفي الحروب والغزوات يركب مراكب البر وينهض بعزائم الفرسان. أو يصعد الى جبل عال يعهد بأنظاره الخيول تجري في ساحة الوغى والسيوف اللوامع والغبار المرتفع فيصف اذ ذاك الوصف الدقيق ، ولله درّة حين يقول في مدح عودة ابو تايه:

صار الصياح وشبّ بالقلب نارا.

الطرش جاض وشهدن العذارى.

ذاب الرجال والقلب حارا.

النفس للأنسان كنوز ثمينات.

صاحوا وصحنا وتنبّه ذكر عودة.

روّح كما سيل قوي مدوده.

كم قرم من هواته يقوده.

قبل الضحى يبقى على القبر فوات.

ترك لنا ابو الكباير أجمل وصف للآلات الحديثة على الناس الذين عاشوا في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين وهو وصفه للتلغراف.. والتلغراف بالنسبة لجيلنا هذا وسيلة اتصال متخلفة جدا اذا قسناها بالهاتف النقال والانترنت.. لكن بالنسبة لابو الكباير وجيله هو ثورة في عالم الاتصال.

يقول ابو الكباير:

يا راكب الّي ما تداني الصفير.

هميلع من خيرة الهجن سرساح.

أمه نعامة وقالوا أبوه بعير.

لفا مغلطانية على خف وجناح.

حبال كوره مثل سلك الحرير.

وسفايفه تقل القرابين طفّاح.

لنّك ضربته بالكعب له فرير.

ممشى عشرة ايام جابها بمصباح.

لنّه ورد يشرب ثمانين بير.

ما بير الا به ثمانين ميّاح.

مدّ من الطايف وأمسى بالدوير.

سوق بصرى طواها بمرواح.

قلاع ردوس هدّها بالهرير.

وقصور حيفا بالبحر تطفح طفاح.

فهو يختار تهجين التلغراف بين النعامة والجمل وكلاهما من أسرع حيوانات الصحراء وطيورها مشي على الارض.. وتدلنا القصيدة أن ابو الكباير (رغم بدواته) على معرفة بأصقاع الامبراطورية العثمانية في ذلك الزمن.. رودس.. حيفا... الطائف.. بصرى.. ونحن لا نستغرب هذا الاطلاع من الشاعر البدوي.. طالما أنه يغشى مضافات السلطية وديوان سلطان العدوان وسطام الفايز وقدر المجالي وعودة ابو تايه.. ففي تلك المجالس يقال الكثير عن الدولة العليّة وشؤونها.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور