يروي العلامة السائح أمين الريحاني انه التقى يمنيا في نيويورك العام 1920 وكان الريحاني على وشك بدء رحلته في بلاد العرب لإعداد كتابه الشهير (ملوك العرب) فأراد الريحاني الاستزادة في معرفة احوال اليمن وحاور اليمني الذي قال له : نحن أهل اليمن لا نخضع لأحد دائما نحب الحرية ونحارب من أجلها . ونذبح أقرب الناس إلينا لنكون مستقلين. نقول للإمام : هذا الرجل لا نشتهيه (لا نريده ) حاكما ونقيم منا شيخا علينا ونقول له : أنت حاكمنا أنت إمامنا.
قلت: وإذا أبى عامل الإمام التنازل عن منصبه؟
فأجاب بلهجة هادئة: والله نذبحه.
ثم سألته ما إذا كان من أجانب في اليمن.
فقال: لا.. ولا يؤذن لهم بالذهاب ولا الإقامة هناك .
وإذا جاءكم الأجنبي؟
والله نذبحه.
واذا ساح متنكرا وانكشف أمره ؟
فأجاب الرجل دون ان يغيّر لهجته الناعمة اللطيفة : والله نذبحه .. كأنه يقول والله نضيّفه ونكرمه.
هذا حال اليمني منذ حوالي تسعين عاما .. نزّاع الى الحرية .. عصي على التخاذل او الاستكانة ... خنجره عنوان شرف وإباء وشمم وأكبر إهانة له ان يفقد خنجره على يد الآخرين.
مع تطور الزمن استبدل البندقية العثمانية القديمة التي أخذها من جنود الدولة العليّة ورشاش بور سعيد الذي أخذه بالآلاف من الجيش المصري الذي جاء لمساعدته بالثورة ضد اسرة الإمام حميد الدين الذين كان أحفاده من حكام اليمن كثيرا ما يلجأون الى أخذ ابناء شيوخ القبائل رهائن في صنعاء ليأمنوا ثورة الجبال على العاصمة صنعاء .. استبدل كل ذلك برشاش الكلاشنكوف الذي جاءه من الجنوب عندما كان جنوبه دويلة تدور في فلك الاتحاد السوفييتي السابق .
أثبت المتظاهرون اليمنيون وعيا متميزا في أبعاد اسلحتهم عن اجتماعاتهم ومسيراتهم التي تطالب بالتغيير والديمقراطية .. متأثرين بما حدث في تونس ومصر .. ففي كل بيت يمني سلاح ناري .. وفي حزام كل يمني (قدميّة) خنجر معقوف برأس مدبب يفتح جرحا عميقا في أي لحم يصل اليه.
وما يحزّ في النفس أن دماء اليمنيين أهدرت يوم الجمعة الماضية ... قتلى بالعشرات ... جرحى بالمئات عجزت المستشفيات عن استيعابهم ... وهم متظاهرون مسالمون من جميع الأعمار ... أرادوا ايصال صوتهم عبر حناجرهم وليس عبر أسلحتهم التي تركوها في بيوتهم ... واذا أضفنا لها الدماء الليبية فإننا نضع ايدينا على قلوبنا من هذه الحال التي تصل الى حد الكارثة الانسانية.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور