حينما تسلّم الرئيس الشهيد هزاع المجالي رئاسة بلدية عمان في الخمسينيات من القرن الماضي .. واجه مشكلة مع الخبّاز روفان النحاس .. يقع فرن روفان وسط التوسعة المقترحة لشارع طلال الحالي .. لم يرض الرجل بالتعويض الذي رضي به الاخرون .. ولم يرض بالجاهات والوساطات ( على طريقة تلك الايام ) .. ذات مساء وروفان النحاس يغادر الى بيته بعد إغلاق الفرن .. جهز هزاع المجالي اربعين عاملا .. أودع العجين عند الجيران وهدم الفرن وأجرى تسوية للشارع في نفس الليلة .. وفي الصباح كانت دهشة السوق تعادل دهشة روفان النحاس الذي اضطر لقبول التعويض ...

كانت هذه بدايات التغيير في عمان العاصمة التي امتدت حدودها الى بلدات وقرى كان أهلها يزورون عمان للتسوق ويلجؤون للمبيت في مضافات الطباع والبلبيسي والمفتي وأل خير وآل ميرزا والنابلسي وآل عصفور والقيسية ...

تراوح الامناء المعينون على رئاسة بلدية العاصمة مدار سنوات ... ذات حين فوجئ الموظفون من مدراء المناطق بتوزيع اجهزة لاسلكية عليهم .. البعض تباهى بها قبل ظهور الهاتف الجوال .. والبعض اعتبرها هدرا للمال ... ولكن الكثير منهم فوجئوا بصوت العمدة عبد الرؤوف الروابدة يجلجل في الصباح الباكر وهو يتجول في الشوارع والأزقّة التي خلت من عمال النظافة .. وبلغ من صرامة الرجل أنه وقف في احد الشوارع حتى جاءه مدير المنطقة يفرك عينيه من أثر النوم .. واخذ دشّا باردا لتقصيره بواجبه .. فالموظف الكيبر يجب ان يكون امام الصغير في العمل ...

منذ ذلك الحين أصبح وجود الموظفين مع العمال في العاصمة النظيفة على أفق الشوارع والأزقة نمطا يوميا رافقه نفق وادي الحدادة على يد العمدة ممدوح العبادي وحركة بناء الجسور العلوية واقامة المراكز الثقافية وعرض المسرحيات ونشر الكتب من قبل الامانة التي كادت تزاحم وزارة الثقافة على دورها زمن العمدة نضال الحديد .. والرجل كان يجمع بين دور ابن شيخ القبيلة ودور المهندس العارف بهموم عمان وحركة التوسع العمراني افقيا وعموديا بصورة متسارعة .. فكل بيت جديد او عمارة يحتاج الى خدمات تبدأ ولا تنتهي...

أشارت معلومات الى أن تعديلا جوهريا ستجريه الحكومة على قانون البلديات سيتم بموجبه اقرار انتخاب أمين عمان مباشرة من قبل العمّانيين أو انتخابه من قبل مجلس الأمانة المنتخب من قبل العمّانيين ، خلافا لما كان يجري سابقا بأن يعين الأمين عن طريق مجلس الوزراء. (الدستور 19 - 3 - 2011 )

ويلقى خيار انتخاب الأمين من قبل مجلس الأمانة ، المطروح بقوة بين الأوساط الحكومية المعنية في تعديلات قانون البلديات دعما وقبولا كبيرين ، ويعتبره مسؤولون حكوميون خطوة تدفع باتجاه عملية الإصلاح السياسي التي تسعى الحكومة لتحقيقها من خلال حزمة تعديلات على التشريعات الناظمة للعمل السياسي في البلاد ..

في العالم المتقدم يعتبر انتخاب رئيس واعضاء المجلس البلدي للعاصمة حدثا يوازي الانتخابات التشريعية ... ويتنافس على رئاسة البلدية سياسيون كبار مثل رودي جولياني في بلدية نيويورك وجاك شيراك في بلدية باريس وجيانى اليمانو رئيس بلدية روما .. وقد دفع كرسي رئاسة البلدية ببعضهم الى منصب رئيس الجمهورية كما في حالة شيراك .. والتفكير في رئاسة الولايات المتحدة كما في حالة جولياني ...

ترى ما هو حال مجلس امانة عمان وعمدتها اذا توجهوا الى رأس العين لخدمة السكان عن طريق الانتخابات الحرة ... لا شك انهم سيبذلون جهدا مضاعفا .. وسيحسبون حساب المساءلة من العمانيين قبل المساءلة من ديوان المحاسبة أو أية جهة أخرى ...


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور