وصف شاعر العربية حافظ ابراهيم حالة امرأة يابانية غادرت مصر مسرعة تلبية لواجبها اتجاه وطنها عندما حدثت الحرب العالمية الثانية بقوله :

أنا يابانية لا أنثنـــي

عن مرادي أو أذوق العطبا

أنا إن لم أحسن الرميَ ولم

تستطع كفّاي تقليبَ الظبا

أخدمُ الجرحى وأقضي حقّهم

وأواسي في الوغى من نُكبا

هكذا الميــكادو قد علمنا

أن نرى الأوطانَ أمًا وأبا

يروي صديقي القادم من اليابان بعد كارثة الهزّة وأمواج البحر التي جرفت السيارات والمباني مثل القش . وحصدت الاف الأرواح . ان رعايا الميكادو قد واجهوا المصيبة بصبر عجيب ونظام يليق بحضارتهم . وهي حالة لم تحدث في أي بلد تعرض لنصف مصيبتهم ... كان حزنهم مكتوما بلا صراخ ولا عويل أو ضرب على الرأس والصدر امام كاميرات التلفزيون أو بعيدا عنها ... التزموا بنظام الطابور في الاسواق دون تدافع واشتروا ما يحتاجونه ليومهم حتى لا تقل السلع على الاخرين . ولحظة الكارثة حينما انقطعت الكهرباء اعاد المشترون ما بأيديهم الى الرفوف ... لم تسجل في منطقة الكارثة حالة نهب او سرقة زمن انشغال الشرطة بالانقاذ بعيدا عن البنوك والمحلات التجاريّة ولم يعبث احد بأجهزة الصراف الآلي ... قامت المطاعم والفنادق وشركات الاسكان بتخفيض اسعارها اقل مما كانت عليه قبل الزلزال ... والأهم من كل هذا ان القوي ساعد الضعيف فيما كان مذيعو التلفزيون يتحدثون بهدوء وهم ينقلون الأخبار ومعها ارشادات الإغاثة .

على الطرف الاخر من العالم حدث انقطاع كبير للكهرباء عام 1965 في الشمال الشرقي من الولايات المتحدة الأمريكية .. اضطر رئيس الولايات المتحدة الى استدعاء الحرس الوطني ( كما في احوال الطوارئ ) للسيطرة على اللصوص والقتلة والنهابين الذين استغلوا الظلام وانفلتوا من عقالهم .. وفي الثمانينات من القرن الماضي خرجت تظاهرة كبيرة احتجاجا على بساطة الاحكام التي حكم بها رجال شرطة ضربوا رجلا بقسوة امام كاميرا أحد الهواة ... تحولت التظاهرة في لحظات الى حالة سلب ونهب للمتاجر وشاهدنا على التلفزيون الناهبين يخرجون بالسلع فرحين .. فهي فرصة لتجديد الأدوات الكهربائية في منازلهم ومطابخهم . وهم يرون في تلك المتاجر رأس المال الذي أمتص دماءهم وفرض عليهم نمط حياة يزيد بها ثروته على حساب جوعهم وفقرهم ...

وصف مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا ( 1981 – 2003 ) التجربة الاقتصادية اليابانية بقوله : ( من الحكمة أن نتعلم من الناجحين. في الماضي كنا ننظر إلى الغرب لأنه كان ناجحًا أكثر من الشرق . بعد الحرب العالمية الثانية رأينا معجزة النجاح الياباني .. ووصلنا إلى أن اليابان تملك المعادلة للتنمية السريعة التي تعتمد على المشاركة بين القطاع العام والقطاع الخاص إن الخطط والتنظيم والمناهج الإدارية للشركات اليابانية مثال يستحق أن يُحتذى ) ..

ترى في أي جيل من اجيالنا العربية القادمة ستتوطن التجربة اليابانية ليس اقتصادا فقط .. بل تنظيما وأخلاقا تضبط هذا المجتمع الذي يزخر بالثراء الفاحش والفقر المدقع ؟؟؟


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور