في الأزمان الماضية شاعت قصيدة تغنّى على لحن الهجيني في البادية والمدن والقرى الاردنية . وهي لشاعر مجهول يقول فيها :

يالله ان تسلّط على النسوان

حتى العجايز تجازيهن

ما جرّبن لوعة الهويان

نسين عميرن مضى بيهن

والمقصود أن العجوز في الوجدان الشعبي كما هي في ألف ليلة وليلة تحاول وتنجح في التفريق بين العشاق . وقد نسيت ما مضى من عمرها وهي عاشقة .

في كتاب العجوز في الف ليلة وليلة للزميل طه الهباهبة نجد عجوزا من الجن اسمها شواهي ذات الدواهي الجنيّة وهي تأخذ سبع عشرة صفحة من الكتاب حيث عاشت زمن هارون الرشيد في بغداد . وتساعد العاشق حسن الولهان في العثور زوجته الجنية التي اختفت من بيته مع أولاده منها . والعجوز تحفظ أربعين بابا من السحر . أقل بابا منها يجعل المدينة بحرا عجاجا متلاطم الامواج . وهي قادرة على تحويل الناس الى سمك .. وتغيير الألوان من أسود الى أبيض وبالعكس . ولكنها لا تستطيع فعل ذلك خوفا من ملكة الجان واخواتها اللواتي التي يحكمن المدينة بكثرة من الأعوان والخدم . ولعمري أن هذه الحكاية تصلح لكل الأزمان في وطننا العربي حتى يومنا هذا .. فكثرة الأعوان والخدم في اي حكم شمولي أسقط الاف الضحايا في الشرق والغرب . اذا كان حسن وأولاده رمزا لمقاومة الظلم والاستعباد . والأعوان والخدم رمزا للقوة الامنية والعسكرية التي تدافع عن نفسها وعن سيدها ..

ثالثة العجائز يقدمها طه الهباهبة باسم باكون . وهي صدى لسلاح عمر النعمان الذي ينشره في الخفاء لاغتيال أي شخص لا يرتاح له في بلاده . او تصله وشاية عنه . وباكون هذه لها في المكر فنون وفنون . وهي تحفظ كثيرا من الحكايات والاشعار والنوادر والاخبار لدرجة انها تسحر سامعها بما تحدثه . ولعلها صدى لقصّاص المصر الذي وظّفه خلفاء بني أميّة وأورثوه لبني العباس بعدهم . فوظيفته رواية النوادر والحكايات للناس . حيث يدسّ في كل حكاية أفكارا يرغب الوالي أو الخليفة أن يوجّه بها الناس بصورة غير مباشرة . بعد أن ملّوا خطبه وخطب دعاته على المنابر وغيرها .. فها هو قصّاص المصر (المدينة في زمننا هذا ) يرشّ على حكايته قليلا من السكر مرة .. وبعض الملح مرة أخرى ليقنع العامة بالفكرة القادمة من رأس الوالي .. وقد تطوّر قصّاص المصر عبر العصور .. ابتداء من مطبعة نابليون بونابرت التي بشّر بها المصريين بالحرية والرخاء .. ثم سيف محمد علي باشا في بلاد الشام لإقامة دولة بدأت بجباية الضرائب وتجنيد العسكر قبل أن تشقّ الطرق أو تطعم الفقراء .. مرورا بدعاة ووعاظ الخليفة العثماني عبد الحميد الثاني الذي أستغل المطبعة القادمة من الغرب مع ألسنة دعاته لأقناع رعاياه بأفكاره وخططه حتى يومنا هذا .. فبعض وسائل الاعلام المقروء والمرئي والمسموع يعجّ بفرسان على شاكلة باكون .. يسبّح بعضهم بحمد الجوع والفقر والظلم الذي يمارسه بعض ولاة هذا الزمن .. وقد تطورت أدوات ولاية الفرسان بأحدث وسائل الارسال والعرض الى أدمغة الشعوب المقهورة .. ولأن كل حكاية من حكايات العجوز في ألف ليلة وليلة تنتهي بزوال الظالم وظلمه . وانتصار المظلوم . فإن الصدى ايّاه يتكرر في الضمير الانساني من عصر مصباح الزيت الى عصر مصباح الكهرباء


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور