أبدع أجدادنا الذين عاشوا زمن الدولة العثمانية بالنقد والسخرية بمرارة من الرشوة والفساد الذي كان ينخر أطراف الدولة لبعدها عن مركز العاصمة حيث مجلس المبعوثين «البرلمان» الذي كان يوصل صوت الشعب إلى الحكومة. تنتشر الحكايات الناقدة وتذاع في أصقاع الدولة مع القوافل والمسافرين يتداولها الناس بشغف قبل اختراع وسائل الاتصال الحديثة حيث تستقر في المجتمعات لتروى في المجالس وليالي السمر بعد تكييفها لتناسب المنطقة التي تتردد فيها بإضافات من المفردات (للتوضيح والتجميل) كما هو حال الشعر المروي.
من تلك الحكايات التي أبدعها أجدادنا في النقد حكاية قاضي زفّ الى زوجته واهل بيته بشرى حصوله على قضية بعد عام من الكسل والانتظار.. فأهل البلد قوم مسالمون متسامحون مع بعضهم.. اذا اختلف اثنان منهم على امر ما حلوّا خلافهم بالتراضي واذا توتـّرت بينهم يتدخل احد عقلاء البلدة وتنتهي المشكلة قبل ان تصل الى القاضي الذي يسمع عن ثراء زملاء له في اصقاع اخرى من الامبراطورية لكثرة القضايا التي ينظرونها في محاكمهم ويملأون اكياسهم من رشاوى الأغنياء المتخاصمين.. في ذلك الزمن كانت الرشاوى تدفع باليد وليس لحسابات سرية في البنوك العابرة للقارات والمحيطات.
ورغم ثقته بعدالة قضيته فإن الطرف الأول حمل ديكا «عتقيّا» تحت جنح الظلام الى بيت قراقوش واقسم له ان ابو صياح (لقب الديك) ينتج بواسطة الدجاجات عشر بيضات يوميا.. فوعده قراقوش ان يحكم له.. فحقه عند خصمة واضح مثل الشمس فذهب الفقير الى النوم مرتاح البال..
في المساء المتأخر سمع قراقوش ثغاء خلف حائط بيته.. حيث جاء الطرف الثاني بكبش سمين التوت قرونه بشكل لولبي زادت اطلالته رهبة لمن يشاهده اول مرة.. أوصاه ان يبعد الأولاد عنه.. فالكبش نطّاح..
في اليوم التالي مزق الفقير ما تبقى على جسمه من ثياب وهو يصرخ ويحتج على حكم قراقوش لصالح خصمه.. وردد كلمة ابو صياح اكثر من مرة وهو يشكو ظلم قراقوش وانقلابه عليه بين ليلة وضحاها.. ردد القوم الذين مروا بحوش القاضي في الصباح: اسكت يا رجل.. صاحب الحق نطّاح.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور