قبل ان يشارك الفنان ملحم بركات في مهرجان جرش للمرة الثالثة كان قد القى نظرة تحت الطاولة واكتشف ان هناك من يحرك الثورات العربية في الخفاء.. انتقد ملايين المعتصمين في الوطن العربي الذين لا يكنون الولاء للشعب والوطن ويستغلّون الأوضاع القائمة ويستفيدون من النظام. فهي ثورات تحتاج الى رجال وليس الى فيس بوك وانترنت وصراخ.. واضاف لا فض فوه.. انه لا يجوز الغاء الجيش بسبب وجود ضابط غير جيد.. ولا اذكر ان معتصما واحدا من المحيط الى الخليج طالب بالغاء جيش بلاده.

هذا التصريح او التحليل المرتبك جاء في المؤتمر الصحفي لملحم بركات في عمان.. وقد طلب اعطاء الأنظمة السياسية وقتا طويلا حتى تستطيع الحكم.. كم يا ترى؟ اكثر من ثلاثين او اربعين عاما؟ ليس كل المطربين يفهمون بالسياسة او يتابعون احوال مجتمعهم الاقتصادية اولا والسياسية ثانيا فالاقتصاد بأمنه الاجتماعي هو محرك الاحتجاجات الشعبية في اليونان والبرتغال وبريطانيا وليبيا واليمن ومصر وسوريا.. واغلب الفنانين لا يملكون الا الحنجرة الصداحة المدعومة باحدث الات تحسين الصوت ليغدو رخيما مجسما يتردد صداه على جدران المسارح قبل ان يصل الى اذن المستمع.

وقد افاض وديع الصافي في وصف هذه الظاهرة متحديا الجيل الجديد من سلالته الفنيّة ان يغنوا مثله بلا ميكروفون وسماعة موصولان بآلة خبيثة تصنع من الحشرجة صوتا ناعما يدخل اذن السامع وعقله. هذه المنظومة سادت الساحة العربية بفضائها المفتوح. وأثرت بعض الفنانين ثراء ماديا انشغلوا به عن هموم الشارع في مجتمعهم.. البعض اضاف لها التهتك والخلاعة في منافسة ممجوجة وجدت مكانا لها في قنوات البث التي افلتت من رقابة الضمير قبل اي رقابة اخرى.

ذات مهرجان جرش كان الفنان كمال خليل يغني ويعزف على عوده في الساحة الرئيسية وشارع الأعمدة.. لم يسلم من شكواه ونقده كبار رجال السلطة الفلسطينية بمن فيهم الراحل ياسر عرفات.. دوله دوله دوله.. كل اللي يهمّك دوله.

فن معلم الطوبار كمال خليل كان امتدادا لفن الشيخ إمام وشاعره احمد فؤاد نجم اللذين اجتمع عليهما مئات الفنانين والصحفيين والمفكرين والساسة في ركن مهترئ من منازل القاهرة اسمه حوش قدم.. اختلطت الأزياء الحديثة بشوالات الخيش والعطور ودخان السجائر وكؤوس الشاي الغامق اللون مع عود وحنجرة بلا مايكروفون.

لو صمت ملحم بركات في المؤتمر الصحفي وفتح فمه على المدرج الجنوبي من جرش بما سيطلبه منه الجمهور (كما قال) لكان افضل لنا وله.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور