في الأزمان الماضية .. قبل عصر التلفزيون والانترنت والهاتف الخلوي . كنا نجتمع حول راديو الترانزستور نترّقب نتائج التوجيهي من الاذاعة .. قبل ايام من اعلان النتائج نكون قد اشترينا بطاريات جديدة .. بعد الاخبار مباشرة تصدح كل من عائشة التيجاني وابراهيم الذهبي ومحمد أمين ( رحمهم الله ) بتلاوة اسماء الناجحين في المملكة .. لماذا ثلاثة مذيعين ؟ لأن القائمة طويلة والأسماء تتلى بتمهل من اربعة مقاطع حتى تتم الفرحة . كان الجيران والأقارب يتلقون التهاني وقليلا ما سمعنا صوتا يصم أذاننا ما عدا الزغاريد وصوت الدعوات على الحلويات والمناسف ..

صباح يوم السبت الماضي ( وكنت قد نسيت انه يوم التوجيهي ) صحوت بفزع على أصوات الرصاص والألعاب النارية في غريسا التي لا يساوي مجموع منازلها حارة من حارات عمان او الزرقاء .. ارتديت ملابسي وقدت سيارتي الى مكتبي في الهاشمية والطخ مستمر .. طالعت بعض المواقع الالكترونية . حسدت الامن العام على وصفهم أن الناجحين في التوجيهي يقومون باتباع طرق غريبة في استعراض نجاحهم أثناء ركوبهم في السيارات والحركة في الشوارع وقد تفوقوا على مواكب الاعراس في التظاهر .. ليست طرقا غريبة كما وصفها الامن العام .. بل هي مرعبة الى حد الخوف كما ظهر في الصور حتى الساعة العاشرة من صباح السبت ..

فتيات يخرجن نصف أجسامهن خارج السيارة حيث يجلسن على نافذتها ولا أعلم كيف صمدن في شارع يموج بالسيارات وحماسة السائقين في سرعة تصل الى حد السباق .. في ساعة واحدة من صباح التوجيهي اياه سجّل رجال السير ( 200 ) مخالفة في العاصمة عمان وحدها .. أغلب هذه المخالفات نتيجة السرعة الزائدة من سواقين يحملون في سياراتهم أطفالا وشبابا وشابات يخرجون نصف أجسامهم من النوافذ .. بعض السيارات المخصصة لخمسة ركاب ضبطها رجال السير وقد انحشر بها 12 راكبا . أما البكبات المخصصة لنقل الخضار والفواكه وأخشاب الطوبار فقد كانت مشروع مظاهرة متحركة .. والأغرب من كل هذا أن أحد موزعي الغاز الذي نجحت ابنته في التوجيهي .. أفرغ السيارة من الاسطوانات التي تحتاجها المنازل في يوم التوجيهي وحمل العائلة والاقارب بدل اسطوانات الغاز وتجوّل بهم مستعملا نفس الالحان الموسيقية التي تخبر الناس أن موزع الغاز يمر من هنا ... حدث كل هذا رغم تحذيرات الامن العام قبل التوجيهي بأيام للمواطنين من ضرورة عدم إطلاق العيارات النارية في فرحة التوجيهي ومواكب السيارات التي تشكل نعوشا متحركة لولا لطف الله ووعي مديرية الامن العام في تكثيف حركة رجالها عبر الشوارع .

تحولت أفراحنا الى تظاهرات خطرة على أرواح ابنائنا .. ليس في التوجيهي وحده فالرصاصة الطائشة من عرس في الطرف الاخر من البلدة لم تزل مستقرة في رقبة زوجة صديقي منذ عامين والاطباء حائرون في استخراجها خوفا على الأعصاب التي تصل دماغها بباقي جسمها ..


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور