لا اذكر اسم الفيلم الذي انتجه الاتحاد السوفييتي بعد اقالة نيكيتا خروتشوف من رئاسة الحزب الشيوعي وكرسي هرم السلطة في الاتحاد السوفييتي . ولكن احداثه لم تزل عالقة في ذاكرتي . يتحدث الفيلم عن مدرّس في سيبريا (منفى غير المرضي عنهم في الاتحاد السوفييتي) وهو ملتزم حزبيا . يهتم بتدريس الطلاب مبادئ الماركسيّة واللينينيّه . قبل الجغرافيا والرياضيات والعلوم . ذات مساء متأخر يصله خبر بالهاتف عن وفاة رئيس الدولة جوزيف ستالين .. وقع الخبر على سمعه وقوع الصاعقة . ارتدى ملابسه الثقيلة وخرج عبر ثلوج القرية وبدأ يطرق الأبواب ينذر السكان بكارثة وفاة ستالين .. قوبلت طرقاته بما لم يتوقعه في حياته ... أحد الفلاحين سأله بسذاجة ... من هو ستالين ؟ ... فلاح أخر شتمه لأنه ايقظه من النوم الذي يحتاجه حتى يخرج الى عمله مبكرا ... وكل هذا لأجل موت رجل يسمع به ولا يراه ... أحد الفلاحين قابل الخبر بسخرية ضاحكة أغضبت المدرّس الذي اتهمه بالعداء للحزب والاتحاد السوفييتي ... وبدأ بإعطائه محاضرة عن الشيوعية العظيمة . قاطعه الفلاح محتجا على الوقوف معه بالباب ليستمع له بليلة صقيع تجمد المفاصل ... وأضاف ... ستالين مات ولكن ثوري الذي أحرث عليه لم يمت ... ستالين مات ولكن زوجتي وأولادي احياء في فراشهم ... غادر المدرّس مذهولا حانقا ..

في طريق العودة الى منزله صرخ في الشوارع ... انهضوا ... ستالين مات ... لم يسمع تعليقا من باب أو نافذة ... سمح الكرملين ما بعد خروتشوف بعرض الفيلم ليفهم الناس ان الاتحاد السوفييتي قادر على الحياة بستالين او بدونه .... في زمننا العربي هذا يطرق عشرات المدرسين المدجّنين جدران المنازل العربية ومطابخها وغرف نومها منذرين بفناء الدولة اذا ما غادر الرئيس بعد ثلاثين او اربعين عاما من ركوب رقاب الناس ونهب حليب أطفالهم وخبز عيالهم اليومي ... ذلك الطرق عبر الوسائل الإعلام (وهو مقيت بأي حال) يعد استخفافا بعقول المراقبين قبل عقول القتلى في الشوارع والمعتقلين في السجون ومن يعرض نفسه بإصرار كل يوم للرصاص الحي . وقنابل الغاز وأحذية العسكر التي لا تقبل بأقل من تكسير العظام ...

ترى.. لو مات الأخ الرئيس بسكتة قلبية في فراشه .. هل يموت الوطن بشعبه وترابه؟ ... سبحان الله الذي وضع سرّه في أضعف خلقه من البؤساء المحرومين ليملأوا الشوارع بصرخات الأحتجاج حتى يغادر الأخ الرئيس ... ولو كان الثمن الاف القتلى.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   محمود الزيودي   جريدة الدستور