لا يوجد أديب أو صديق أو معرفة للراحل فايز محمود لا يحفظ عبارة شرم برم .. كان يرددها حتى لو لم نسأله عن الحال والأحوال . باع او أرغم الأديب فاروق وادي على شراء جزء من مكتبته بعشرة دنانير حينما كان فاروق طالبا في الجامعة الاردنية .. حاول فايز أن يطوّف بالعشرة دنانير في موانئ العالم برفقة صديق له ضئيل الحجم يلّقبه بالسخل .. فانتهى به الأمر طاويا ساقيه على برش تبرّع له به أحد الشيوعيين في سجن المحطة على أمل ان يدخله في عضوية الحزب . ولكن فايز كان يجلس على طريقة الكاتب الفرعوني المصري ويكتب ابداعه الخاص به حتى لو تبرع له الشيوعيون بثلاث وجبات شاي يوميا وعلبة سجائر . وهذه مواد مميزة في السجن تشبه العملة ... يطوي مقالته بطريقة مهرّب محترف لتخرج مع الزوار الى صحيفة ما ... يعود الى زملاء المهجع بفرحة طفل ... المقالة عبرت الحدود ... القصة قفزت فوق الأسوار ... لم يرافقه السخل الى السجن .. ولعلّه لم يرافقه في رحلة الحلم التي تمنّاها ... حينما خرج بالعفو عاد لأدارة السجن زائرا يحمل علبة بقلاوة ... طوى ساقيه النحيلتين على المقعد وحدث مدير السجن والحرس عن فرحة أهله بعودته الى البيت في المفرق ... وحدثهم عن هجرته من المفرق الى عمان من جديد ...
عملت معه في وزارة الثقافة ... ومنه عرفت بحلوان البقلاوة لإدارة السجن فذكرت له العلاقة التي ربطت سجّان مزرعة طرّة بالسجين احمد فؤاد نجم . حتى انه لحق به بعد خروجه من السجن يطلب عملا ... فقد ملّ السجان من مقارفة المساجين واراد ان يرتاح من العنف الذي يمارسه كل يوم ... يأتي فايز للدوام متأخرا كالعادة ... أشفقنا عليه .. حاتم السيد وانا فأقنعنا الأمين انه يجيء مبكرا ولكن لا أحد يلاحظه بسبب ضآلة جسمه ... لم يضحك الأمين العام للنكتة فقد كنا نحن ايضا ندخل باب الوزارة بعد الضحى ... قبل منتصف الشهر يكون قد بدأ بالاقتراض ليسدد من الراتب القادم . لم يكن قد تزوج ولا أعرف كيف فعلها متأخرا في العقد السادس من العمر ...
ذات لقاء روى له أحد الاصدقاء مكانة شُرُم بُرُم في التراث وأورد بيت الشعر الحلمنتيشي ... اذا لم تكن لي والزمان شرم برم ... فكيف تكون لي والزمان تراللّي
أصر على ان احواله شُرُم بُرُم طالما هو يعيش يومه بحرية ويكتب ... رويت له تلخيص عروة بن الورد لحياة الصعاليك فأصرّ على تدوين بيت الشعر
لحا الله صعلوكا مناه وهمه
من الحياة ان يجد لبوسا ومطعما
بدأ فايز حياته الابداعية في زمن كان الكتاب مقروءا من الغلاف الى الغلاف وانتهت حياته في زمن تدفق المعلومات في وسائل الاعلام والاتصال حتى اختلط الحابل بالنابل.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور