التقيت مصمم الملابس ولوازم الدراما التلفزيونية الأردنية محمد بندوره عام 1981 في مسلسل ( هبوب الريح ) ... الإبرة والخيط والمقص ومتر القماش لا تفارق يده .... أغرقني بأسئلته عن رتب الضباط الانجليز في المسلسل ... استعاد ( أكثر من مرة ) وصف اللباس الكاريكاتوري الذي لبسه شاعر الاردن ( عرار ) مصطفى وهبي التل لاستقبال فريدريك بيك باشا قائد الدرك العام في الإمارة عندما جاء الباشا الى الشوبك يبحث عن المناضل البدوي الفلسطيني عيد الصانع المطلوب لسلطات الانتداب البريطاني على فلسطين وقد لجأ الى الشوبك المحميّة بإذن رب البرية كما يسميها حاكمها عرار ... اللباس كان عقال على الراس بلا كوفية ... علائق السيف حبل ليف ... الحذاء بقدم والاخرى حافية ... أعطيت محمد بندوره كتابا يحوي صور أغلب الشخصيات التاريخية في المسلسل ... فاجأني بقوله ... انا لا أقرأ ولا أكتب ..... ذلك الأمّي كان يحفظ في ذاكرته لباس عشرات الشخصيات في المسلسل الواحد ... ولوازم ( إكسسوار ) الديكور من أباريق وصحون وعصي وسيوف وجرار وبرادع وقرب الماء وحتى المكحلة مع مروادها ... كان قادرا على استحضار مرآة من القرن الثامن عشر وخوذة من زمن السلطان محمد الفاتح ... في فيلم ليل الأحرار ( الذي لم يذع للأن ) نصب مائة وخمسين بيت شعر في وادي رم . ملأها بالحياة النابضة من فراش ورجال ونساء وخيول وجمال لأجل مشهد واحد يمر فيه المغفور له الملك الحسين بن طلال بالطائرة خلال جولته فوق ربوع الوطن وهو يخطط لطرد الباشا ابو حنيك والضباط الانجليز في قيادة الجيش العربي عام 1956 ... إزداد وعي محمد بندوره بصناعة الدراما الأردنية فبنى وحدة تراثية بين مخيم شنيلر وماركا . لتكون قرية تصوير للمسلسلات الريفية والتاريخية بطرف عمان حتى يوفر على المنتجين وطواقم الإنتاج رحلة طويلة الى القرى القديمة تستهلك وقت العمل في السفر ذهابا وإيابا ... ظهرت القرية التي بناها ابو رمزي في عشرات المسلسلات الأردنية والعربية التي صوّرت في عمان ...
كان يستعين بأولاده ( قبل ان يكبروا ويحمل أحدهم بكالوريوس الفنون ) لدراسة نص المسلسل والفترة الزمنية التي تدور الاحداث فيها ... ذات حين جادله أحد الممثلين بالعقال الأسود الغليظ ... اتهمه الممثل أن يخترع اشياء لا وجود لها في حياة الناس الذين عاشوا خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ... ابتسم فنيّ الملابس الأمّي وجاء بصورة قديمة لأربعة رجال يرتدون نفس العقال .... قال للممثل بعفوية ... انت لم تقرأ من النص الاّ مشاهد الشخصيّة التي تمثلها ... لو كلّفت نفسك بقراءة كتاب عن زمن احداث المسلسل لما أتعبتني ...
محمد بندوره ظاهرة مؤثرة في الدراما الاردنية ولكنه مثل بقية الجنود المجهولين خلف الكاميرات وأجهزة التسجيل لم يظهر منهم على الشاشة الاّ عملهم .... توفى ابو رمزي منتصف شهر رمضان الحالي والشاشات العربية تعجّ بالدراما التي أسهم ببنائها
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة محمود الزيودي جريدة الدستور